أحكام الصيام – الدرس الأول

التصنيفات: الفقه, دروس سلاسل, دروس مفرغة, رمضان, فقه عدد الزيارات : 445

الدرس الأول: من أول باب الصيام إلى من يرخص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ﷺ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب: 70- 71].
أما بعد..
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قبل أن يتلبس العبد بالعبادة ينبغي له أن يدرسها، والله تعالى يقول: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم} [محمد:19].
لذا قبل أن ندخل على رمضان ينبغي لنا أن ندرس كافة أحكام رمضان، فنتكلم -إن شاء الله تعالى- عن الصيام، ثم نتكلم -إن شاء الله تعالى- عن الاعتكاف، ثم نتكلم -إن شاء الله تعالى- عن قيام رمضان، ثم نتكلم -إن شاء الله تعالى- عن زكاة الفطر، ثم نتكلم -إن شاء الله تعالى- عن أحكام العيدين.
كل هذا قبل أن ندخل في أي يوم من رمضان؛ لأن العبد قد يصوم يومًا أو يومين أو أكثر، ثم يتبين له أنه كان مخطئًا في حكم من أحكام الصيام، فيمتنى لو أنه كان يعلم ذلك الحكم، وبالتالي قبل أن ندخل على رمضان نكون بفضل الله تعالى قد انتهينا من أحكام الصيام.
والله سبحانه وتعالى يقول: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج:32].
فمن تعظيم شعائر الله العمل، والعمل لا بد أن يسبقه العلم، فمن تعظيم شعائر الله، ومن تعظيم المسلم لرمضان أنه يعلم أحكام الصيام قبل أن يدخل في رمضان، لذا فإننا -إن شاء الله تعالى- مع الدرس الأول من أحكام الصيام، ومع كتاب «فقه السنة» للشيخ سيد سابق –رحمه الله تعالى– بتحقيق الألباني رحمه الله تعالى ومع كتاب «تمام المنة في التعليق على فقه السنة» للألباني أيضًا رحمه الله تعالى.
الصيام؛ يُطلق على الإمساك.
قال الله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26]، أي [في شأن مريم] أي: إمساكًا عن الكلام.
والمقصود به هنا، الإمساك عن المُفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية.
فضل الصيام:
[وهذا الكلام عن فضل الصيام بصفة عامة سواء ما يتصل برمضان أو بغير رمضان].
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال اللهُ تعالى: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صومِ أحدِكم فلا يرفُثْ، ولا يصخَبْ، ولا يجهَلْ، فإن شاتَمه أحدٌ أو قاتلَه، فليقُلْ: إني صائمٌ، إني صائمٌ مرتين، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لخُلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ من ريحِ المسكِ، وللصائمِ فرحتانِ يفرحُهُما: إذا أفطرَ فرِحَ بفطرِه، وإذا لقِيَ ربَّه فرحَ بصومِه». رواه مسلم
هنا: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به.
فإنه لي؛ إضافته إلى الله تعالى إضافة تشريف، مثل: ناقة الله، وبيت الله، وهكذا، وبالتالي كثير من الجهال بدينهم الآن يستهزؤون باسم الله تعالى، هناك من يأتي بجزارة، يكتب: جزارة الرحمن، وهناك من يكتب حضانة الرحمن، وهناك من يكتب: محل فراخ الرحمن، هذا استهزاء بدين الله تعالى، ولو كان هناك من يقيم الحدود لعزَّر هؤلاء وجلَدهم؛ لأن هذا لا يجوز في الشرع. لا يضاف شيء إلى الله سبحانه وتعالى إلا إذا أضافه هو لنفسه، بيت الله، ناقة الله، وهكذا.
«كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» هذا الحديث بعضه قدسي وبعضه نبوي، فالنبوي من قوله: «والصيام جنة.. إلى آخر الحديث» إذن الحديث قدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
يقول ﷺ: «والصيام جُنة» أي: مانع من المعاصي «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث»، الرفَث: الفحش في القول، وهذا محرم في رمضان وفي غير رمضان، إلا أنه في رمضان أعظم.
«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب –أي: لا يصيح– ولا يجهل –أي: لا يسفِّه– فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم مرتين».
في «فتح الباري» ذكر مَن يقول: إني صائم جهرًا، ومن يقول: إني صائم سرًّا، وابن حجر يرجح أن الإنسان إذا جهِل عليه إنسان، يقول: إني صائم مرتين، يقولها مرة في السر ومرة في الجهر، يعني يقول مرة في سره: إني صائم، ثم يقول مرة في الجهر: إني صائم.
«والذي نفس محمد بيده لخُلوف فم الصائم –أي: تغير رائحة الفم بسبب الصوم– لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه».
ورواية البخاري، وأبى داود: لأن الرواية الأولى كانت رواية أحمد ومسلم والنسائي، ورواية البخاري وأبي داود: «الصيام جُنَّة، فإذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله، أو شاتمه فليقل: إني صائم –مرتين- والذي نفس محمد بيده، لخُلوفِ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المسكِ، يتركُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي، الصيامُ لي وأنا أجزِي به، والحسنةُ بعشرة أمثالها».
وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ، يقولُ الصيامُ: أيْ ربِّ [أي حرف نداء بمعنى: يا] منعتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْني به، ويقول القرآن: منعتُه النومَ بالليلِ فشفِّعْني فيه فيشفعانِ» [معنى فيشفعان، أي: تُقبَل شفاعتُهما] رواه أحمد، حسن كما في «تمام المنة»
وعن أبي أمامة قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فقلتُ: مُرْني بعمل يدخلني الجنةَ. قال ﷺ: «عليك بالصومِ فإنه لا عِدْلَ له» ولا عِدل له، أي: لا مِثل له، ثم أتيته الثانية، فقال: «عليك بالصيام». رواه أحمد، والنسائي، صحيح كما في «صحيح النسائي».
وعن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يصومُ عبدٌ يومًا في سبيلِ اللهِ إلا باعدَ اللهُ بذلك اليومِ النارَ عن وجهِه سبعين خريفًا» رواه الجماعة، إلا أبا داود.
وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن للجنةِ بابًا، يقالُ له: الريَّان، يقالُ يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإذا دخل آخِرُهم أُغلِقَ ذلك البابُ».
رواه البخاري ومسلم.
هذا الكلام عن فضل الصيام بصفة عامة

أقسام الصيام
الصيام قسمان: فرض، وتطوع.
والفرض ينقسم ثلاثة أقسام:
أولًا: صوم رمضان.
ثانيًا: صوم الكفارات.
ثالثًا: صوم النذر.
والكلام هنا ينحصر في صوم رمضان، وفي صوم التطوع.
أما بقية الأقسام، فتأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.

حكم صوم رمضان
صوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة:183]. [كتب، يعني: فرض].
وقال -أي: سبحانه-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]. فمن شهد، يعني: حضر.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ: «بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصيامِ رمضانِ، وحجِّ البيتِ». متفق عليه.
وفي حديث طلحة بن عُبيد الله «أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني عما فرضَ الله عليَّ من الصيام؟ قال: «شهر رمضان». قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». متفق عليه.
وأجمعت الأمة: على وجوب صيام رمضان، وأنه أحد أركان الإسلام التي عُلمت من الدين بالضرورة، وأن منكره كافر مرتد عن الإسلام.
وكانت فرضيته [أي: رمضان] يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان من السنة الثانية من الهجرة.
فضل شهر رمضان، وفضل العمل فيه
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لما حضر رمضان: «قد جاءكم شهر مبارك افترض الله عليكم صيامَه، تُفتح فيه أبوابُ الجنة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطين [أي: تُربَط وتُسَلسل]، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرُها فقد حُرم». رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي، صحيح كما في «تمام المنة».
وعن عَرْفَجة قال: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدث عن رمضان قال: فدخل علينا رجل من أصحاب محمد ﷺ، فلما رآه عتبة هابه، فسكت، قال: فحدث عن رمضان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في رمضان، «تُغلَق أبوابُ النار وتُفتَح أبوابُ الجنة، وتُصفَّدُ فيه الشياطينُ، قال: وينادي فيه ملك: يا باغيَ الخيرِ أبشِر، ويا باغيَ الشر أقصِر، حتى ينقضيَ رمضانُ». رواه أحمد، والنسائي [صحيح الإسناد كما في «صحيح النسائي»].
هنا قد يقول قائل: وتُصفد فيه الشياطين، يعني تُربط وتُسلسل، كيف ونرى يعني بعض المعاصي أو كثيرًا من المعاصي في رمضان؟ قال العلماء في شرح الحديث: قيل: وتُصفَّد فيه الشياطين أي: المردة، أي: كبار الجن، كبار الشياطين، وقيل: يُصفَّد فيه شيطان المؤمن، أما شيطان الفاجر فيظل كما هو.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَتِ الكبائرُ». رواه مسلم.
وعن أبي هريرة  قال، قال رسول الله ﷺ: «مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه»، إيمانًا، يعني تصديقًا، واحتسابًا، أي: طالبًا وجه الله تعالى وثوابه.
رواه أحمد، وأصحاب السنن والحديث في «الصحيحين» بهذه اللفظة.
الترهيب من الفطر في رمضان:
قال الذهبي: وعند المؤمنين مقرَّر أن مَن ترك صوم رمضان بلا مرض، أنه شر من الزاني، ومدمن الخمر، بل يشكُّون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال.

بمَ يثبت الشهر؟
يثبت شهر رمضان برؤية الهلال، ولو من واحد عَدْل، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
فعن ابن عمر ما قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وغيره. صحيح كما في «صحيح أبي داود».
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيتِه وأفطروا لرؤيتِه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثين يومًا». صوموا لرؤيته، المراد بالرؤية الرؤية الليلية، والمقصود -كما نعلم-: الرؤية العينية.
رواه البخاري ومسلم. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبَل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد، وقال النووي: وهو الأصح.
وأما هلال شوال، فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا، ولا تُقبَل فيه شهادة العدل الواحد عند عامة الفقهاء، واشترطوا أن يشهد على رؤيته اثنان ذوا عدل، إلا أبا ثور فإنه لم يفرق في ذلك بين هلال شوال وهلال رمضان، وقال: يُقبَل فيهما شهادة الواحد العدل. وهذا هو الحق؛ لأن رمضان شهر؛ ولأن شوال شهر، فلا يختلف شهر عن شهر، والشهادة هي الشهادة.
قال ابن رشد: ومذهب أبي بكر بن المنذر، وهو مذهب أبي ثور، وأحسبه مذهب أهل الظاهر.
وقد احتج أبو بكر بن المنذر بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل، بقول واحد، فوجب أن يكون الأمر كذلك في دخول الشهر وخروجه؛ إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم.
قال الشوكاني: وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه قياس على الاكتفاء به في الصوم.
وهذا هو الحق أنه يكفي فيه شاهد عدل.
وأيضًا، التعبد بقبول خبر الواحد، يدل على قبوله في كل موضع، إلا ما ورد الدليل بتخصيصه، بعدم التعبد فيه بخبر الواحد، كالشهادة على الأموال ونحوها.
فالظاهر ما ذهب إليه أبو ثور، أي: من ترجيح قبول شهادة الرجل الواحد العدل في دخول رمضان وفي الخروج منه.

اختلاف المطالع
ذهب الجمهور: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع.
فمتى رأى الهلال أهل بلد، وجب الصوم على جميع البلاد؛ لقول الرسول ﷺ: «صوموا لرؤيتِه، وأفطروا لرؤيتِه» وهو خطاب عام لجميع الأمة؛ فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤيةً لهم جميعًا.
وذهب عكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم، وإسحاق، والصحيح عند الأحناف، والمختار عند الشافعية: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تلزمهم رؤية غيرهم.
إذن الرأي الأول يرى أن الخطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي: مكان، كان ذلك رؤية لهم جميعًا.
والرأي الثاني -وذهب عكرمة والقاسم بن محمد وسالم وإسحاق، والصحيح عند الأحناف، والمختار عند الشافعية- أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تلزمهم رؤية غيرهم؛ لماذا؟
لما رواه كُرَيب قال: قدمتُ الشامَ، واستهلَّ علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة. ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس -ثم ذكرَ الهلالَ- فقال: متى رأيتم الهلالَ؟ فقلتُ: رأيناه ليلةَ الجمعة. فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت: نعم، ورآه الناسُ، وصاموا، وصام معاويةُ. فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلتُ: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا… هكذا أمرَنا رسولُ الله ﷺ. رواه مسلم.
قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم.
وفي «فتح العلام شرح بلوغ المرام»: الأقرب [يعني المستحب والأفضل] لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها [في الهامش: هذا هو الشاهد ويتفق مع الواقع].

ما حكم من رأى الهلال وحده؟
[واحد رأى الهلال وحده وبلغ الناس بالهلال ولكنهم لم يصوموا، فما الحكم؟
نقرأ في «فقه السنة» ثم – إن شاء الله تعالى – نرى التعليق من «تمام المنة».
اتفقت أئمة الفقه على أن من أبصرَ هلالَ الصوم وحدَه أن يصوم.
وخالف عطاء فقال: لا يصوم إلا برؤية غيره معه.
واختلفوا في رؤيته هلال شوال، والحق أنه يفطر كما قال الشافعي، وأبو ثور.
فإن النبي ﷺ قد أوجب الصوم والفطر للرؤية، والرؤية حاصلة له يقينًا، وهذا أمر مداره الحِس، فلا يحتاج إلى مشاركة.
ما معنى ذلك؟
يعني هناك من يرى أن من رأى الهلال وحده أنه يصوم، وهناك من يقول: لا، والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، نقلًا عن «تمام المنة».
ففي «تمام المنة» يقول تعليقًا على قوله: واتفقت أئمة الفقه على أنه من أبصر هلال وحده أن يصوم: هذا ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: إذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه، أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟
على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد، ثم ذكرها، والذي يهمنا ذكره منها –أي: كما في كتاب «تمام المنة»– ما وافق حديثه، وهو قوله: والثالث: -يعني الرأي الثالث–: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس، رغم أنه رأى الهلال وتأكد، يصوم مع الناس ويفطر مع الناس، وهو أظهر الأقوال كما يقول شيخ الإسلام، لماذا؟ لقول النبي ﷺ: «صومُكم يومَ تصومون، وفِطرُكم يومَ تُفطرون، وأضحاكم يومَ تضحُّون» رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.
قال: وفسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا: الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس.
رغم أنه رأى الهلال وتأكد، لكن لا يصوم إلا مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس، وهذا الحديث مخرَّج في الصحيحين.
ثم قال ابن تيمية: “لكن مَن كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صام، فإنه ليس هناك غيره”. يعني مثل رجل في مزرعة وليس معه مِذياع، يعني راديو، أو في مؤخرة في مصنع أو في منعزل، أو في مكان بعيد، في مخزن، في مكان بعيد عن المدينة وكذا، فهو ليس معه شيء يدل على أن غدًا رمضان أو لا، فهذا الرجل رأى الهلال وحده، فما العمل؟
انظر إلى الكلام الجيد: هو في مكان ليس فيه إلا هو، في هذه الحالة يصوم؛ لأنه ليس هناك إلا هو.

أركان الصوم
للصيام ركنان تتركب منهما حقيقته:
أولًا: الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
لقول الله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة: 187].
والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل، لماذا؟
لما رواه البخاري ومسلم: أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} عمدتُ إلى عِقالٍ أسودَ، وإلى عِقالٍ أبيضَ، [يعني إلى حبل أسود، وإلى حبل أبيض] فجعلتُهما تحت وسادتي [أي: المخدة، النمرقة]، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوتُ [يعني في الصباح] على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: «إنما ذلك سوادُ الليلِ وبياضُ النهارِ».

الركن الثاني من أركان الصيام
الركن الثاني: النية؛ لقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. ولقوله ﷺ في الصحيح: «إنما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى».
ولابد أن تكون قبل الفجر [أي: النية]، ولا بد أن تكون أي: النية قبل الفجر من كل ليلة من ليالي شهر رمضان. يعني لا تصح نية مجملة عن كل رمضان؛ أنه ينوي أنه سيصوم كل الشهر، لا يجزئ ولا يصح؛ لماذا؟
لحديث حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من لم يُجمِعِ الصيامَ قبلَ الفجرِ فلا صيام له». من لم يُجمع: من الإجماع، وهو: إحكام النية والعزيمة. رواه أحمد وأصحاب السنن، صحيح كما في «صحيح أبي داود»
يعني لا بد أن تكون النية قبل الفجر، فيكون وقتها من أذان المغرب عندما تفطر إلى أذان الفجر؛ لأن الليل يبدأ من المغرب، في هذا الوقت لا بد أن تنوي، وكما نعلم لا يصح التلفظ بالنية «إنما الأعمالُ بالنيات»، والنية محلُّها القلب.
وتصح في أي جزء من أجزاء الليل، ولا يشترط التلفظ بها؛ فإنها عملٌ قلبي، لا دخل للسان فيه.
هنا في «فقه السنة»، يقول: ولا يشترط التلفظ بها، وهذا اللفظ خطأ، ولم يعلق عليه في «تمام المنة»، وذلك لأن المهم عند الشيخ الألباني رحمه الله التعليق على الأحاديث. والخطأ في قوله “ولا يشترط التلفظ بها” يوحي أن مَن تلفظ بها جاز، وإنما اللفظ الصحيح ينبغي أن يكون «ولا يصح التلفظ بها».
وذلك لأنها عمل قلبي لا دخل للسان فيها؛ فإن حقيقتها القصد إلى الفعل امتثالًا لأمر الله تعالى، وطلبًا لوجهه الكريم.
فمن تسحَّر بالليل، قاصدًا الصيام، تقربًا إلى الله بهذا الإمساك، فهو ناوٍ.
هذا السحور في حد ذاته نية ضِمنية، وهي الأصل هنا في هذا الباب، لماذا؟ لأنه لا يجوز التلفظ بالنية بأي حال من الأحوال حتى في الحج كما رجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ومن عزم على الكفِّ عن المفطرات أثناء النهار مخلصًا لله، فهو ناوٍ كذلك وإن لم يتسحر.
هذا من ناحية الفريضة، يعني لو أن إنسانًا لم يتسحر، لكنه نزل ليشتري السحور لأولاده، ولم يأكل، فهذه أيضًا تُعد نية، وقلنا من قبل: فرق بين السَّحور والسُّحور، السَّحور، أي: الأكل نفسه، والسُّحور، أي: السحور.
يعني نقول: آتي بالسَّحور للسُّحور، يعني آتي بطعام السَّحور للسُّحور.
هذا في صيام الفريضة، فما حكم ذلك بالنسبة لصيام النفل؟
قال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار، إن لم يكن قد طعِم.
لا نقول: إن لم يكن قد طعم فقط، بل إن لم يكن قد أتى بمفطر من المفطرات، يعني هو ما أكل، لكنه جامع زوجته، في هذه الحالة لا يصح.
قالت عائشة: دخل عليَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا ذاتَ يومٍ فقال: «هل عندكم شئ؟ [يعني طعام] قلنا: لا. قال ﷺ: «إني صائمٌ». رواه مسلم.
واشترط الأحناف أن تقع النية قبل الزوال، يعني في صيام التطوع، وهذا هو المشهور من قولَي الشافعي.
وظاهر قولَي ابن مسعود وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال وبعده على السواء.
الزوال يعني قبل الظهر بحوالي اثتني عشرة دقيقة أو ربع ساعة
أيضًا الشروق يبدأ بعد طلوع الشمس بثنتي عشرة دقيقة، أو بربع ساعة.

على من يجب الصيام؟
أجمع العلماء: على أنه يجب الصيام على المسلم العاقل البالغ، الصحيح المقيم.
ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، والنفاس.
فلا صيام على كافر، ولا مجنون، ولاصبي ولا مريض، ولا مسافر، ولا حائض، ولا نُفساء، ولا شيخ كبير، ولا حامل، ولا مرضع.
كل هؤلاء لا يجب عليهم الصيام، لكن سنرى إن شاء الله أنه يجوز لبعضهم أن يصوم، فلا يجب عليهم لكن يجوز لهم أن يصوم كما سيأتي التفصيل إن شاء الله تعالى.
وبعض هؤلاء لا صيام عليهم مطلقًا، كالكافر، والمجنون.
وبعضهم يطلب من وليه أن يأمره بالصيام.
وبعضهم يجب عليه الفطر والقضاء.
وبعضهم يرخَّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية.
وهذا بيان كل على حدة.

صيام الكافر والمجنون
الصيام عبادة إسلامية.
وهذا اللفظ في النفس منه شيء؛ لأن العبادة لا تكون إلا في الإسلام، فالصحيح أن يكون اللفظ هكذا: الصيام عبادة؛ لأنه لا عبادة إلا في الإسلام.
الصيام عبادة، فلا تجب على غير المسلمين، والمجنون غير مكلَّف؛ لأنه مسلوب العقل الذي هو مناط التكاليف، وفي حديث علي  أن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ حتى يُفيقَ، وعنِ النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يحتلمَ». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
[صحيح كما في «صحيح أبي داود»]

ما حكم صيام الصبي؟
والصبي -وإن كان الصيام غير واجب عليه- إلا أنه ينبغي لولي أمره أن يأمره به؛ ليعتاده من الصغر، مادام مستطيعًا له، وقادرًا عليه.
فعن الربيع بنت مُعوِّذ قالت: أرسل رسول الله ﷺ – صبيحةَ عاشوراء – إلى قرى الأنصار: «من كان أصبحَ صائمًا فليُتمَّ صومَه، ومَن كان أصبح مفطرًا فليصُم بقيةَ يومِه» فكنا نصومه بعد ذلك، ونصوِّم صبيانَنا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللُّعبة من العِهن [يعني من الصوف] فإذا بكى أحدُهم من الطعامِ أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار». رواه البخاري ومسلم.
ومن هذا يجب علينا أن نعلَم بصفةٍ عامة أن الأب ينبغي أن يعوِّد أولاده على الصيام، وينبغي أن يعوِّد ابنته الصغيرة من الصغر على الحجاب من الصغر، حتى يكون من فطرتها.
ولا نقول الصغيرة التي ترضع إلا للاعتناء بهذا الأمر، والله هناك من يفعل ذلك، فكانت ابنته صغيرة وهي ترضع لا تخرج بغير حجاب.
في الوقت الذي تجد الرجل إذا كانت ابنته في الإعدادية، يقول: إنها صغيرة، وهذا باطل، في صحيح البخاري النبي ﷺ عقد على عائشة وعندها ست سنوات، وبنى بها وعندها تسع سنوات.
وبنى بها وعندها تسع سنوات في صحيح البخاري.
ثالثًا: البنت إذا كبرت قليلًا ودخلت الابتدائي مثلًا بدون حجاب، إذا أمرتها بالحجاب بعد ذلك تقول لك: اقنعني، فلا تستطيع أن تسيطر عليها؛ لأن القلوب بيد الله ما بيدك أنت ولا بيد غيرك، ولكن حين يكون الحجاب من فطرتها، فلا تستطيع أن تخلعه، وللأسف تجد امرأة منتقبة، ثم تجعل ابنتها متبرجة للغاية، هذه المرأة –كما قال أحد العلماء–: تنفِّس عن نفسها في ابنتها، يعني هي ما تستطيع أن تظهر نفسها وكأنها مخنوقة، فتجعل ذلك في ابنتها، فتخرج عارية متبرجة هكذا، كأنها تجعل ابنتها معرضًا لها، كأنها تقول للرجال: من أراد أن ينظر إلى وصفي فلينظر إلى ابنتي وهكذا.
إذن هذا الكلام ينبغي التنبيه عليه، وهو أن تعوِّد ابنتك بالحجاب من الصغر حتى يكون من فطرتها، وهناك كتاب قيم يسمى بـ«فقه النظر في الإسلام» لمحمد كلكل رحمه الله من علماء الشام، فيه كل ما يتصل بالنظر، النظر للمخطوبة، النظر للصغيرة، النظر إلى كذا، قال: هناك صغيرة تُشتهى، وهناك صغيرة كذا، يعني هذا الأمر تجد الناس من كثرة رؤية المنكر والعياذ بالله ، بل من النظر إلى التلفزيون ولو من مرة، صار هذا الشيء عنده مألوفًا، والعياذ بالله.
إذن ينبغي لولي أمره أن يأمر الصبي بالصيام؛ ليعتاده من الصغر.
وسبحان الله في المدرسة قديمًا، كان إذا وُجد طفل في الثانية الابتدائي مفطرًا، كانت الناس تعيِّره بفطره إلى أن يصل البيت، يمشون وراءه ويهتفون هتافات معينة يعيِّرونه بها.

من يرخَّص لهم في الفطر، وتجب عليهم الفدية
يرخَّص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه.
وقد كتب هنا: وأصحاب الأعمال الشاقة الذين لا يجدون متسعًا من الرزق. وهو كلام من الشيخ محمد عبده، وكما نعلم أن الشيخ محمد عبده رحمه الله عقلاني، يحكِّم العقل في كثير من الأمور، يحكِّم العقل ولا يحكِّم النقل، فهذا الكلام لا عبرة به، إنما لنا الأعذار، والله سبحانه وتعالى جعل لنا الصدقات الكثيرة في رمضان، والناس عادةً يتصدَّقون في رمضان أكثر من أي وقت آخر، وبالتالي فإن الفقير عادةً في رمضان يجد الطعام، إذا لم يجده في بيته يجده في المسجد، أو أي مكان آخر.
فهؤلاء جميعًا يُرخَّص لهم في الفطر إذا كان الصيام يُجهدهم ويشقُّ عليهم مشقة شديدة في جميع فصول السنة.
وعليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا.
ولم يأتِ من السُّنة ما يدل على التقدير.
لكن لو هناك فرض من فروض الإسلام، مثلًا رجل يعمل في الفرن يومًا ويومًا، وهذا لا يستطيع أبدًا؛ لأن الناس لا بد لهم من الخبز، ولا يستطيعون الاستغناء عنه، في هذه الحالة له أن يفطر في اليوم الذي يعمل فيه ثم يصوم ويقضي بعد ذلك في رمضان، لكن هذه المسألة محل خلاف.
لكن ما ينبغي التأكيد عليه أن الإنسان لا يفطر إلا من ضرورة قصوى، وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
قال ابن عباس: رُخص للشيخ الكبير أن يُفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه. رواه الدارقطني والحاكم وصححاه.
يعني أن الرجل المسن الذي عنده أكثر من سبعين عامًا أو ثمانين عامًا أو كذا، هو في الصيام صار في حكم غير المكلَّف، نعم هو مكلَّف بالصلاة، والزكاة، والحج، لكنه في حكم الصيام على هذا الرأي صار غير مكلف؛ لأنه لا يستطيع أن يصوم، والله تعالى يقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
وروى البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس ما يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير [أي: الرجل المسن]، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كل يوم مسكينًا.
مذهب مالك وابن حزم أنه لا قضاء ولا فدية.
والمريض الذي لا يُرجى برؤه، ويجهده الصوم، وهو الذي عنده مرض مزمن، وليس مرضًا مؤقتًا، نقول له: تقضي بعد رمضان، فإن قلنا له تفطر في رمضان وتقضي بعد رمضان، فالعلة التي جعلته يفطر في رمضان هي العلة التي جعلته يفطر في غير رمضان؛ لأنه مريض مرض مزمن عافانا الله وإياكم.
والمريض الذي لا يُرجى برؤه ويجهده الصوم، مثل الشيخ الكبير، ولا فرق.
والحُبلى، والمرضع – [أي الحامل والمرض] إذا خافتا على أنفسهما وأولادهما أفطرتا – وعليهما الفدية، ولاقضاء عليهما، عند ابن عمر، وابن عباس.
لأن الحامل ستُرضع، فإن خافت على نفسها أو ولدها أفطرتا وعليها الفدية، أي: على الواحدة منهما الفدية ولا قضاء عليهما.
روى أبو داود عن عكرمة، أن ابن عباس قال في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}: كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يُفطرا ويُطعما مكانَ كل يوم مسكينًا، والحُبلى والمرضع – إذا خافتا (يعني على أولادهما) أفطرتا، وأطعمتا.
ما معنى خافتا على أولادهما؟ أي إن الواحدة منهن إذا صامت؛ فإنها لن يأتيها اللبن أو إذا صامت الحُبلى فإنها تجهد إجهادًا شديدًا، ولا تستطيع أن تغذِّي الطفل الذي في بطنها من طعامها الذي تأكله، فإذا كانت لا تأكل فكيف يتغذى الطفل؟!
رواه البزار. وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حُبلى: أنتِ بمنزلة
الذي لا يُطيقه، فعليك الفداء، ولا قضاء عليكِ.
وصحَّح الدارقطني إسناده.
وعن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها؟ فقال: تُفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكينًا.
وفي الحديث يقول ﷺ: «إن الله وضعَ عن المسافرِ الصومَ وشطْرَ الصلاةِ، وعن الحُبلى والمرضعِ الصومَ». حسن كما في «صحيح الجامع»
وعند الاحناف وأبي عبيد وأبي ثور: أنهما يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما.
وعند أحمد، والشافعي: أنهما – إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا – فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء، لا غير.
والخلاصة: أن الحامل ستكون مرضعة، إن خافت على نفسها أو على ولدها على الأرجح لها أن تفطر ثم بعد ذلك بعد ذلك تُطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن استطاعت أن تصوم صامت، وإذا لم تستطع سقط عنها ذلك، وهذا على سبيل الاستحباب، أقوله استحبابًا، لكنها طالما أطعمت ليس عليها شيء.
لكن إن استطاعت أن تصوم صامت، وإن لم تستطع أجزأ عنها الإطعام.
وكذلك المرضع لأنها تُرضع ولدها، في هذه الحالة أيضًا مثل الحبلى، أي: مثل الحامل أنها إن خافت على نفسها أو على ولدها، أو عليهما معًا، عليها أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينًا.
وهذا الذي عرفناه اليوم:
مَن يُرخَّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية.
أما في الدرس القادم سنعرف إن شاء الله تعالى مَن يُرخَّص لهم في الفطر ويجب عليهم القضاء.
ثم نأخذ إن شاء الله تعالى: مَن يجب عليه الفطر والقضاء معًا، يعني يجب عليه أن يفطر ويجب عليه أن يقضي.

هذه المواد من أراد أن ينشرها فلينشرها دون إذن وليتق الله فيها.