أحكام الصيام – الدرس الثاني

التصنيفات: الفقه, دروس سلاسل, دروس مفرغة, رمضان, فقه عدد الزيارات : 445

الدرس الثاني: من أول من يرخص لهم في الفطر ويجب عليهم القضاء – الأيام المنهي عن صومها – الوصال الجائز والوصال المنهي عنه

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ﷺ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب: 70- 71].
أما بعد..
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

مع الدرس الثاني من أحكام الصيام ومع كتاب «فقه السنة» للشيخ الجليل سيد سابق رحمه الله تعالى بتحقيق الألباني رحمه الله تعالى، ومع التعليق عليه من كتاب «تمام المنة» للألباني رحمه الله تعالى.
آخر ما أخذناه في الأسبوع الماضي: من يرخَّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية.
يعني يجوز له أن يفطر، لكن إذا أفطر تجب عليه الفدية، أي: يجب عليه أن يطعم، وهذا للشيخ الكبير، و المرأة العجوز، والمريض الذي لا يُرجى برؤه.
القسم الثاني وهو ما نأخذه اليوم: مَن يرخَّص لهم في الفِطر ويجب عليهم القضاء، يعني يجوز له أن يفطر، لكن إذا أفطر يجب عليه أن يقضيَ ولا يصح له أن يطعم.
يباح الفطر للمريض الذي يُرجَى بُرؤه، والمسافر، ويجب عليهما القضاء.
قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
وروى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، بسند صحيح، من حديث معاذ، قال: إن الله تعالى فرض على النبي ﷺ الصيام، فأنزل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} إلى قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، [يعني حتى ولو كانت عنده القدرة على الصيام] ومن شاء أطعم مسكينًا فأجزأ ذلك عنه.
ثم إن الله تعالى أنزل الآية الأخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلى قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، صحيح كما في «صحيح أبي داود».

ما هو المرض المبيح للفطر؟
والمرض المبيح للفطر: هو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تأخر برئه.
نعم، نحن نعلم أن هناك قسمًا من الأقسام يجوز له أن يُفطر لكن عليه القضاء، يرخَّص له الفطر ويجب عليهم القضاء.
فهنا: المرض المبيح للفطر، وهو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تأخُّر بُرئه، هذا يختلف عن القسم الأول، فالقسم الأول كان يرخَّص له في الفطر وتجب عليه الفدية، وهو المريض الذي لا يرجى برؤه.
لأننا إذا قلنا له: لك أن تفطر وعليك أن تقضي بعد رمضان، فالعلة التي أباحت له الفطر في رمضان، تبيح له الفطر بعد رمضان.
أما الآن مع المرض، لكنه ليس بالمرض الدائم الذي لا يُرجى برؤه، يُعرَف ذلك إما بالتجربة، أو بإخبار الطبيب الثقة، أو بغلبة الظن، أو يخشى تأخُّر برئه.
قال في «المغني»: وحُكي عن بعض السلف أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الإصبع والضرس؛ لعموم الآية فيه؛ ولأن المسافر يُباح له الفطر وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض، وهذا مذهب البخاري، وعطاء، وأهل الظاهر.
إذن يرخَّص الفطر للمريض الذي يتأذَّى بالمرض أو يتأخر شفاؤه وإن كان مرضًا غير مزمن أيضًا، والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يفطر مثل المريض.
يعني هو ليس بمريض لكنه صحيح، والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يُفطر، مثل المريض، لكنه إذا صام سيأتيه المرض، هذا في حكم المريض.
أيضًا إنسان ليس بمريض، ولكن له حالة أخرى، وهو “من غلبَه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك” يعني إن أتم الصيام سيموت، ففي هذه الحالة من غلبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزمه الفطر وإن كان صحيحًا مقيمًا وعليه القضاء.
قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 87]، من حرج، يعني: من مشقة.
وإذا صام المريض، وتحمل المشقة -يعني المريض المرض الغير المزمن- صحَّ صومه، إلا أنه يكره له ذلك؛ لإعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر.
وقد كان بعض الصحابة يصوم على عهد رسول الله ﷺ، وبعضهم يفطر، متابعين في ذلك فتوى الرسول ﷺ.
قال حمزة الأسلمي: يا رسول الله، إذن ننتقل الآن عن الكلام في السفر، عن المسافر الذي يجوز له أن يفطر لكن يجب عليه أن يقضي يومًا مكانه، يعني عن كل يوم يفطر فيه.
قال حمزة الأسلمي: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل علي جناح؟ فقال ﷺ: «هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» [أي كانت هناك معركة]، فكانت رخصة، فمِنَّا مَن صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال ﷺ: «إنكم مصبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» فكانت عَزمةً، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ، في السفر. رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، يعني: لا يعيب عليه، ولا المفطر على الصائم، ثم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن. رواه مسلم.

وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل؟
يعني إذا كان الإنسان مريضًا مرضًا مؤقتًا، فأيهما أفضل؛ يصوم أم يفطر؟ وإذا كان الإنسان مسافرًا فأيهما أفضل يصوم أو يفطر؟ نحن عرفنا الحكم من ناحية الجواز، لكن ما هو الأفضل؟
فرأى أبو حنيفة، والشافعي، ومالك: أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، والفطر أفضل لمن لا يقوى على الصيام.
وقال أحمد: الفطر أفضل، لماذا؟
لأن النبي ﷺ قال : «هي رخصةٌ من الله تعالى، فمَن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» يعني لا إثم.
وقال عمر بن عبد العزيز: أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل.
يعني مثلًا إذا أتى رمضان في الشتاء، فاليوم قصير، وليس هناك حر، فيرى أنه يصوم أفضل، لكن إذا أتى رمضان في الصيف، فاليوم طويل، والليل قصير ويكون العطش، فيرى أنه لو أخَّر أفضل، هذا معنى كلام عمر بن عبد العزيز: أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذٍ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل.
وحقَّق الشوكاني، فرأى أن من كان يشق عليه الصوم، ويضره، وكذلك من كان معرضًا عن قبول الرخصة، فالفطر أفضل، وكذلك من خاف على نفسه العُجب أو الرياء، إذا صام في السفر – فالفطر في حقه أفضل.
إلا أن كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ننبه عليه في نقطة: لا رياء في الفريضة إنما الرياء في النافلة، هذه فريضة إذا صام لا شيء، يعني إذا رأى أنه صام لا شيء فيه، يعني الرياء لا يكون هنا في الفريضة، إنما الرياء في النافلة؛ والصيام فرض.
يقول: وما كان من الصيام خاليًا عن هذه الأمور، فهو أفضل من الإفطار.
وإذا نوى المسافر الصيام بالليل، جاز له الفطر أثناء النهار.
يعني إنسان نوى الصيام من الليل، وشرع فيه، نوى المسافر الصيام بالليل، انظر إلى الفرق، يعني هو بالليل نوى أنه سيسافر غدًا إن شاء الله تعالى، وبالتالي صام، في هذه الحالة جاز له الفطر أثناء النهار؛ لماذا؟
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كُراع الغَميم [والغميم اسم واد أمام عُسْفان]، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت [أي: يا رسول الله ﷺ]، فدعا بقَدَح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه: أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العصاةُ» رواه مسلم.
لماذا قال ﷺ: «أولئك العصاة»؟ لأنه عزم عليهم فأبوا وخالفوا الرخصة.
وإذا ما نوى الصوم وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار.
الفرض الأول: وإذا نوى المسافر الصيام بالليل وشرع فيه، الآن وأما إذا نوى الصوم وهو مقيم، يعني ما نوى السفر بالليل، يعني كان صائمًا عاديًا، ثم أتاه هاتف أن فلانًا مريض أو أن فلانًا قد تُوفي، في هذه الحالة ما الحكم، يفطر أم يصوم؟ لأنه ما نوى السفر من الليل.
يقول: وأما إذا نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار، فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الفطر له، وأجازه أحمد وإسحاق.
ولما رواه الترمذي وحسنه، عن محمد بن كعب، قال: أتيت في رمضان أنس بن مالك، وهو يريد سفرًا وقد رحلت له راحلته، ولبِس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل فقلت له: سُنة؟ فقال: سنة، ثم ركب.
صحيح كما في «صحيح الترمذي».
يعني الحديث هذا يكفي للاستدلال.
قال الشوكاني: والحديثان -أي: مع الذي تركناه الآن، يدلان على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه، وقال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح، يقتضي جواز الفطر مع أُهبة السفر، وقال: وهذا هو الحق.

والسؤال الآن: ما السفر المبيح للفطر؟
والسفر المبيح للفطر، هو السفر الذي تقصر الصلاة بسببه، ومدة الإقامة التي يجوز للمسافر أن يفطر فيها، هي المدة التي يجوز له أن يقصر الصلاة فيها.
وتقدم جميع ذلك في مبحث قصر الصلاة ومذاهب العلماء وتحقيق ابن القيم.
كيف ذلك؟ يعني ابن القيم رحمه الله بعد ما أتى برأيه، وقال: إن المقصود بالسفر هو السفر العرفي، قال: وأما أقوال الناس، ثم ذكر الذي يقول عدة كيلوات، والصحيح ما ذهب إليه ابن القيم، هو السفر العرفي، ما المقصود بالسفر العرفي؟ إذا طرق بابك طارق، ثم قال: أين فلان؟ قالوا له: مسافر. طالما قالوا هذه الكلمة: مسافر، هذه الكلمة هي التي تحدد السفر، يعني مثلًا لو ضربنا المثال، المسافة من ميدان خالد بن الوليد في الكيت كات إلى القناطر، والمسافة من ميدان خالد بن الوليد إلى حلوان، المسافة إلى حلوان أبعد من المسافة إلى القناطر، صح أم لا؟ أو إلى بعدها بقليل، هذه المسافة الآن، يعني هذه المسافة حلوان لا تُعد سفرًا، أما القناطر هذه فتُعد سفرًا، إنسان أتى من القاهرة أو كذا فتعد سفرًا، أو من ميدان خالد بن الوليد، لكن الواقع أنها سفر.
فالمقصود بالسفر هو السفر العرفي، وإن كان يعني يصل حتى خمس كيلوات، لا يشترط ثمانين كيلو أو أكثر، أو هذا، هذا ما هو صحيح، المقصود بالسفر هو السفر العرفي.
مدة الإقامة، الصحيح أنك طالما لم تتخذ موطنًا فتكون مسافرًا وإن مكثت عشر سنين، طالما أنك لم تتخذ موطنًا دائمًا وتقيم فيه أنت وأهلك وأولادك واستقريت، تكون مسافرًا.
ولذلك نضرب مثالًا بسيطًا، سبحان الله، يعني يبين لنا ذلك، كيف؟
هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والبيهقي، كيف؟
وقد روى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، والطحاوي، عن منصور الكلبي: أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مرة، إلى قدر عقبة من الفسطاط (الفسطاط يعني مصر القديمة)، إلى قدر عقبة من الفسطاط في الهامش.
أي إن المسافة التي قطعها من القرية التي خرج منها تعدل المسافة التي بين مصر القديمة وميت عقبة المجاورة لإمبابة، وقُدرت هذه المسافة بفرسخ، يعني ماذا حدث له؟ في رمضان، ثم إنه أفطر، وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته، قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا -يعني ثم لم يُفطروا في هذه المسافة- ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك.
والحديث يتقوى بما قبله كما في «تمام المنة».
يعني المسافة بين مصر القديمة إلى ميت عقبة كانت سفرًا، صح أم لا؟ الآن ميت عقبة هي قلب القاهرة، صح أم لا؟ إذن المقصود بالسفر هو السفر العرفي، وليس بعدد الفراسخ والأمتار والكيلومترات.

نأخذ قسمًا آخر، وهو القسم الأخير: من يجب عليه الفطر والقضاء معًا
ما معنى ذلك؟
يعني يجب عليه أن يفطر ويجب عليه أن يقضي، ما معنى ذلك؟
إن صام يكون عاصيًا.
اتفق الفقهاء على أنه يجب الفطر على الحائض، النفساء ويحرم عليهما الصيام، وإذا صاما لا يصح صومهما، ويقع باطلًا، وعليهما قضاء ما فاتهما.
ما معنى ذلك؟ انظر معي، المرأة الحائض والنفساء كثيرات من النساء الواحدة منهن تستحي أن تصوم ابنتها وهي لا تصوم، فتصوم وهي حائض، هذا يحدث ويحدث كثيرًا، فتصوم وهي حائض، هذه المرأة أو النفساء، أي: الولادة، وهذا يختلف عن الاستحاضة، ما هي الاستحاضة، الاستحاضة التي عندها نزيف، هذه لها صيام على ما وضحنا في الأحكام من ناحية هذه الاستحاضة التي عندنا نزيف، هل مدتها معلومة أو غير معلومة؟ إن كانت مدتها معلومة ما يزيد عن مدتها فهو استحاضة، فتصوم وتصلي ويجامعها زوجها.
مدتها غير معلومة، أو معلومة ونسيتها، أو بلغت مستحاضة، في هذه الحالة يعني تغتسل مرة واحدة ثم بعد ذلك يعني في علم الله في ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تكون حائضًا، والباقي تكون طاهرًا.
أو في هذه الحالة في الأيام التي تكون في حكم الحيض، يعني لا تصوم ولا تصلي ولا يأتيها زوجها، بعد ذلك تكون في حكم الطاهرة.
الذي معنا الآن الحائض التي عندها الحيض، والنفساء التي عندها دم ولادة، هذه المرأة إذا صامت تقع في الخطأ من ناحيتين؛ أولًا: لم تسقط عنها الفريضة.
ثانيًا: مثلها مثل الذي يصلي بغير طهور، بغير وضوء ولا تيمم في غير الحالات التي تجيز ذلك، في هذه الحالة تكون عاصية لله سبحانه وتعالى، وبالتالي فهذه المرأة مثلًا لو كانت عادتها مثلًا خمسة أيام وعندها الآن مثلًا ستون عامًا، لو فرض مثلًا يعني بلغت من خمسة عشرة عامًا، إذن عليها الآن مائة وخمسة وسبعون يومًا فريضة لا بد أن تصومها.
هنا روى البخاري، ومسلم، عن عائشة، قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
إذن الصيام تقضيه، أما الصلاة وهي حائض أو نفساء لا تقضيها.
والله مرة في مجلة تسمى الوعي الإسلامي والله قالوا: إن الحائض تقضي ما عليها من صلاة، انظروا إلى هذا التضليل للناس.

الأيام المنهي عن صيامها
ننتقل الآن إن شاء الله تعالى للكلام عن الأيام المنهي عن صيامها.
جاءت الاحاديث مصرحة بالنهي عن صيام أيام نُبَيِّنُها فيما يلي:
أولًا: النهي عن صيام يومي العيدين: أجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين، سواء أكان الصوم فرضًا، أم تطوعًا؛ لقول عمر : إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين.
العلماء قالوا: إذا كان الصبي، يعني في هناك بعض الناس يطردون الصبيان من المسجد، هذا خطأ، ما هو الصحيح؟ إذا كان الصبي يجيد أحكام الصلاة، يعني إذا كان الصبي يصلي ولا يلتفت ولا يتحرك ولا يجري، فهذا لا تفعل له شيئًا، أما إذا كان يلعب في الصلاة يجوز ذلك أن تدخل مكانه، ثانيًا: طالما أنه يحترم المسجد ولا يشوش فيجلس ما فيه شيء، غير ذلك تختلف المساجد عن صلاة العيد؛ لقول عمر : إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين؛ أما يوم الفطر، ففطركم من صومكم [يعني الفطر من صيام رمضان]، وأما يوم الأضحى، فكلوا من نسككم [من الأضاحي]».
رواه أحمد والأربعة، وهو في الصحيحين بمعناه كما في «تمام المنة».
ثانيًا: النهي عن صوم أيام التشريق: لا يجوز صيام الأيام الثلاثة التي تلي عيد النحر، [يعني الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، هذه تسمى أيام التشريق]؛ لما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذاقة يطوف في منى: «أن لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل». رواه أحمد بإسناد جيد.
وأجاز أصحاب الشافعي، صيام أيام التشريق، فيما له سبب، من نذر، أو كفارة، أو قضاء، أما مالا سبب له فلا يجوز فيها بلا خلاف.
وجعلوا هذا نظير الصلاة التي لها سبب في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة فيها.
مثل ماذا؟ يعني بعد العصر، يجوز لك أن تصلي تحية المسجد في أوقات الكراهة بصفة عامة، لكن نضرب مثالًا لبعد العصر، يجوز ذلك أن تصلي تحية المسجد، يجوز ذلك أن تصلي صلاة الاستخارة، صلاة الحاجة، صلاة الجنازة، صلاة التوبة، كل هذا يجوز في أوقات الكراهة.
النهي عن صوم يوم الجمعة منفردًا: يوم الجمعة عيد أسبوعي للمسلمين؛ ولذلك نهى الشارع عن صيامه، وذهب الجمهور إلى أن النهي للكراهة لا للتحريم، إلا إذا صام يومًا قبله، أو يومًا بعده، أو وافق عادة له.
ما معنى وافق عادة له؟ يعني كان يصوم يومًا ويومًا فصام الجمعة، وبالتالي يفطر السبت، ويصوم الأحد، وبالطبع طالما أنه صام الجمعة يكون قد أفطر قبلها الخميس، وهكذا.
إلا إذا صام يومًا بعده أو يومًا قبله أو وافق عادة له، أو كان [أي يوم الجمعة] يوم عرفة، أو عاشوراء، فإنه حينئذٍ لا يكره صيامه.
فعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث وهي صائمة، في يوم جمعة فقال لها: «أصمت أمس» فقالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا.
قال: «فأفطِري إذن» رواه أحمد، والنسائي، بسند جيد.
وفي الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده يوم».
وهنا تظهر لنا فائدة: بعض الناس يجتمعون ليلة الجمعة ويقومون الليل، هناك نهي في ذلك، أي: تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي بدعة، كيف؟ الحديث معنا.
وفي لفظ لمسلم: «ولا تخصُّوا ليلةَ الجمعة، بقيام من بين الليالي، ولا تخصُّوا يوم الجمعة، بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم».
إذن إفراد ليلة الجمعة بقيام معين، والناس يجتمعون فيه، هذا بدعة.
رابعًا: النهي عن إفراد يوم السبت بصيام: عن بُسر السلمي، عن أخته الصمَّاء، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحا عنب، [يعني قشر عنب] أو عود شجرة فليمضغه».
رواه أحمد وغيره، صحيح كما في «تمام المنة».
وقال: ومعنى الكراهة في هذا، أن يختصَّ الرجل يوم السبت بصيام، لأن اليهود يعظِّمون يوم السبت.
وقالت أم سلمة: «كان النبي ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما عيدٌ المشركين، فأنا أحبُّ ان أخالفَهم».
رواه أحمد وغيره، وصححه الأرنؤوط في «زاد المعاد».
من ناحية صيام يوم الجمعة، في «زاد المعاد» لابن القيم رحمه الله ليس في باب الصيام، وإنما في خصائص يوم الجمعة، ذكر أن النبي ﷺ -وهذا الحديث أيضًا موجود في شمائل النبي ﷺ- كان يصوم الجمعة كثيرًا ﷺ، يعني كان يصوم معها يومًا قبلها أو يومًا بعدها وهكذا، لكن كان يصوم الجمعة كثيرًا ﷺ.
ومذهب الأحناف والشافعية والحنابلة، كراهة الصوم يوم السبت منفردًا؛ لهذه الأدلة.
وخالف في ذلك مالك، فجوَّز صيامه منفردًا بلا كراهة، والحديث حجة عليه.
إلا أنه علينا أن ننظر إلى ما يلي، في أول حديث في النهي، يقول ﷺ: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» وفي الهامش: ويشمل القضاء والنذور والنفل، إذا وافق عادته، أو كان – أي: يوم السبت – يوم عرفة، أو نحو ذلك.
إذا جاء يوم عرفة يوم السبت، لا يشترط أنك تصوم يومًا قبله أو يومًا بعده؛ لماذا؟ لأن يوم عرفة جاء فيه نص عن النبي ﷺ في فضل صيامه.
أو وافق يوم عاشوراء يوم سبت، لك أن تصومه ولو لم تصُم يومًا قبله أو يومًا بعده؛ لأن هناك نص في فضل صيام عاشوراء.
خامسًا: النهي عن صوم يوم الشك: قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: من صام اليوم الذي يُشك فيه عصى أبا القاسم، ﷺ، رواه أصحاب السنن. صحيح كما في «صحيح أبي داود».
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه.
ما معنى ذلك؟ يعني اليوم التاسع والعشرون من شهر شعبان، فلو فرض أن اليوم كان هو الأربعاء، غدًا الخميس الثلاثون من شهر شعبان أو محتمل أن يكون الأول من رمضان، وكان اليوم الخميس، يعني الأربعاء التاسع والعشرون من شعبان، والخميس إما أن يكون الثلاثين من شعبان، وإما أن يكون الأول من رمضان، ففي هذه الحالة إذا صام إنسان، وقال: أنا أصوم، فإن كان من رمضان فهو من رمضان فخير، وإن لم يكن من رمضان وكان من شعبان فلا شيء في ذلك، هذا هو صيام الشك، ما حكم هذا الصيام ؟
وكلهم كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم إن صامه وكان من شهر رمضان، أن يقضي يومًا مكانه.
حتى لو ظهر أنه فعلًا من رمضان، فعليه أن يقضي يومًا مكانه؛ لأنه في رمضان كما علمنا لا بد من تبيِيت النية من الليل، وما هو بين أنه من رمضان، هذا شيء متأرجح.
ورأى أكثرهم إن صام وكان من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه.
وعند الحنفية إن ظهر من رمضان وصام أجزأ عنه إلا أن الصحيح هو رأي الجمهور؛ فإن صامه لموافقته عادة له جاز له الصيام حينئذ بدون كراهة.
يعني هو صامه الآن على أنه يوم الخميس لا على أنه يوم الشك، هذا لا شيء فيه، لا يكون على أنه صيام يوم الشك، لكن يكون على أنه صيام يوم الخميس من النفل.
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا تقدَّموا صوم رمضان -أي: لا تتقدموا- بيوم، ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصُم ذلك اليوم». رواه الجماعة.
يقول الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجَّل الرجل، بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.
وإن كان رجل يصوم صومًا -يعني كيوم الخميس كما ضربنا المثال- فوافق صيامه ذلك، فلا بأس به عندهم.
سادسًا: النهي عن صوم الدهر
يحرم صيام السنة كلها، بما فيها الأيام التي نهى الشارع عن صيامها؛ لقول رسول الله ﷺ: «لا صام مَن صام الأبد». رواه أحمد، والبخاري، ومسلم.
فإن أفطر يومي العيد، وأيام التشريق، وصام بقية الأيام انتفت الكراهة، إذا كان ممن يقوى على صيامها.
لكن هذا الكلام عليه تعليق من «تمام المنة»، يعني هنا لا تصوم السنة، هناك أيام منهي عن صيامه، يوما العيد، ثم بعد ذلك أيام التشريق. في تمام المنة، قال: لا، قال: هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث «لا صام مَن صام الأبد»، وقوله: «لا صام ولا أفطر»، وقد بين ذلك ابن القيم في زاد المعاد، قال رحمه الله: وليس مراده بهذا مَن صام الأيام المحرمة، يعني لا بد أن يفطر أيامًا غير الأيام المنهي عن صيامها، يعني إذا أراد أن يصوم السنة لا بد أن يفطر يومي العيدين ويفطر أيضًا أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، بعد ذلك عليه أن يفطر أي أيام غير هذه الأيام.
قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق.
وقد أقر النبي ﷺ حمزة الأسلمي على سرد الصيام، وقال له: «صُم إن شئت، وأفطِر إن شئت»، وقد تقدم.
ما معنى: صُم إن شئت، وأفطِر إن شئت؟
التعليق على هذا في «تمام المنة»: تقدم الحديث تحت الكلام عمَّن يُرخَّص لهم في الفطر، ولكن بلفظ آخر، وليس فيه السرد، جاء ذلك في رواية لمسلم بلفظ: قال: يا رسول الله، إني رجل أسرُدُ الصومَ، فأصوم في السفرِ، فقال: «صم إن شئتَ وأفطر إن شئتَ» ورواه ابن خزيمة، ولا دليل في الحديث على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأنه لا تلازم بين السرد وصوم الدهر.
وقد ذكر الحافظ في «الفتح» استدلال بعض العلماء على جوازه بحديث حمزة هذا، ثم عقَّب عليه بقوله: وتعقب بأن سؤال حمزة كان على الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، لما قال له النبي ﷺ: «صم إن شئت وأفطر إن شئت» هذا عن الصوم في السفر، ليس عن سرد الدهر، ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر، فقد قال أسامة بن زيد: إن النبي ﷺ كان يسرُد الصوم فيقال: لا يفطر. أخرجه أحمد، وسنده حسن كما في «المسند».
ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يصوم الدهر، فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر.
وهنا نقطة ننتبه إليها، ما هي؟ يعني قد يقول قائل: يقول رسول الله ﷺ لما سُئل هل من البر الصيام في السفر؟ فقال: «ليس من البرِّ الصيامُ في السفر».
هذا الحديث لا يشمل كل الناس، وإنما مناسبة هذا الحديث أن النبي ﷺ رأى رجلًا قد ظُلل – ظُلل يعني عليه خيمة – والناس مجتمعون، فقال ﷺ: «ما شأنُ هذا؟» قالوا: يا رسول الله، صائم. فقال ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر»، يعني لمن كانت حالته مثل حالة هذا الرجل، أما من كان يقوى على الصيام في السفر فلا شيء عليه.
حتى في رواية يتداولها أهل التجويد دائمًا أن النبي ﷺ جاءه رجل من حمير، فقال: يا رسول الله، أمن امْبر امْصيام في امْسفر؟ فردَّ عليه النبي ﷺ بنفس اللهجة نفسها، وقال: «ليس من امْبرِّ امْصيامُ في امْسفر»، كان ينقط اللام ميمًا، فرد عليه النبي ﷺ بنفس اللهجة نفسها، وقال: «ليس من امْبرِّ امْصيامُ في امْسفر» ﷺ.
إذن والأفضل ماذا؟
والأفضل أن يصوم يومًا ويفطر يوم، فإن ذلك أحب الصيام إلى الله، لماذا؟
في «تمام المنة» فهذا من الأدلة على كراهة صوم الدهر مع استثناء الأيام المحرمة، إذ لو كان صيام الدهر هذا مشروعًا أو مستحبًا لكان أكثر عملًا، فيكون أفضل، إذ العبادة لا تكون إلا راجحة، فلو كان عبادة لم يكن مرجوحًا، يعني كما تقدم عن ابن القيم.

سابعًا: النهي عن صيام المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه، كيف؟
نهى رسول الله ﷺ المرأة أن تصوم وزوجها حاضر حتى تستأذنه.
فعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا تصم المرأة يومًا واحدًا وزوجها شاهد -يعني موجود حاضر- إلا بإذنه، إلا رمضان» رواه البخاري ومسلم.
وقد حمل العلماء هذا النهي على التحريم، وأجازوا للزوج أن يفسد صيام زوجته لو صامت دون أن يأذن لها؛ لافتياتها على حقِّه [أي لتعدِّيها على حقه]، وهذا في غير رمضان كما جاء في الحديث، فإنه لا يحتاج إلى إذن من الزوج.
لكن المقصود بذلك حضوره، يعني الرجل إذا كان مسافرًا ويتصل على زوجته بالهاتف قائلًا: لا تصومي! لا تسمع كلامه، يعني رجل مسافر في الحجاز أو في بلد أجنبي أو كذا، ويتصل بزوجته: لا تصومي، هنا لا تسمع كلامه؛ لأنه المقصود بذلك أنه عندما يريدها في أي وقت تلبي طلبه، يعني إن أرادها لنفسه.
فالمقصود وهو موجود، لكن يتصل ويقول لا تصومي، لا تأخذ بكلامه وتصوم.
وكذلك لها أن تصوم من غير إذنه إذا كان غائبًا، فإذا قدِمَ له أن يفسد صيامها.
وجعلوا مرض الزوج وعجزه من مباشرتها، مثل غيبته عنها في جواز صومها دون أن تستأذنه.
إذا كان الرجل عنده مرض لا يأتي زوجته، في هذه الحالة لها أن تصوم ولو لم تستأذنه.
النهي عن وصال الصوم
ما المقصود بوصال الصوم؟ انظر إلى التعريف؛ لأنه بناء على التعريف نستطيع أن نفهم الوصال الجائز والوصال الممنوع.
ما هو وصال الصوم:
وصال الصوم متابعة بعضه بعضًا دون فطر أو سحور، يعني يصوم يومين دون أن يفطر ودون أن يتسحر، وبالتالي إذا أفطر ولم يتسحر فلا يكون وصالًا ممنوعًا، أو إذا تسحر ولم يفطر فلا يكون وصالا ممنوعًا، وإنما يكون وصالا جائزًا، ومن أراد أن يقرأ هذا البحث بالتفصيل، فليقرأه في «زاد المعاد» لابن القيم رحمه الله تعالى في الجزء الثاني في باب: وصال الصوم.
وأجاز ابن القيم –والحديث في البخاري الآن–وصالَ الصوم، وقال: هي بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر، وسنرى الحديث إن شاء الله.
نحن الآن نتكلم عن ماذا؟ نتكلم عن النهي عن وصال الصوم.
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إياكم والوصال» قالها ثلاث مرات. قالوا: فإنك تواصلُ يا رسولَ الله؟ قال: «إنكم لستُم في ذلك مِثلي، إني أبِيتُ يطعمُني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون» رواه البخاري ومسلم.
«إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» أي يجعل الله له ﷺ قوة الطاعم والشارب، ليس معناه أن الله ينزل على نبيه مائدة من السماء؟ لا.
وقد حمل الفقهاء النهي على الكراهة، وجوَّز أحمد، وإسحق وابن المنذر، الوصال إلى السحر، [وكثيرًا ما كنا نفعله في الاعتكاف، كيف؟ كان كثير منا من يواصل إلى السحر، يعني ما يفطر ولا يشرب ماء ولا شيء أبدًا، وإنما يعني وقت السحور يتناول طعامه، كيف ذلك؟ وما الدليل على الجواز؟
لما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر».
يعني سواء في رمضان أو في غير رمضان، «فليواصل حتى السحر»، لا عليك أن تواصل، لكن إلى أين؟ إلى السحر.
يعني كيف نوفِّق بين الأحاديث الواردة: «لا تزال أمتي بخير ما عجَّلوا الفِطر» وبين الوصال؟
هنا والله أعلم يكون ما يلي: إن أردتَ أن تواصل، فلتواصِل حتى السحر.
أما إذا ما أردت أن تواصل، فمجرد غروب الشمس، أو بمجرد سماع لفظ الله، قبل أن يكمل الله أكبر حتى تفطر، لكن لا تؤخر الإفطار إلى بعد المغرب بساعة ثم تشرب ماء وتأكل تمرًا، هذا فيه مخالفة.
عند غروب الشمس إما أن تفطر وإما أن تواصل، إذا أردت الإفطار فتفطر في الحال، إذا أردت الوصال، فلك أن تواصل إلى إلى السحر.
وسبحان الله، الأمر ما هو مشقة، كيف؟
لو تخيلنا مثلًا أن أذان الفجر على الساعة الخامسة، وأن أذان المغرب على الساعة الخامسة، فمثلًا الإنسان قد تسحَّر في الساعة الرابعة مثلًا، ثم لما أذن المغرب لم يأكل، لما أذن المغرب، ثم أفطر في وقت السحور، أي: الساعة الرابعة.
هذا أيضًا مثاله مثل إنسان أول ما أذن المغرب أكل في الساعة الخامسة، ثم صلى العشاء ونام ولم يتسحر ولم يتناول شيئًا، في هذه الحالة أذَّن الفجر فلم يتسحَّر وظل حتى أذان المغرب مرة أخرى، فتكون نفس المسألة، كأن إنسانًا أفطر ولم يتسحر، هذا الذي واصل كأنه إنسان أفطر ولم يتسحر ولم يتناول شيئًا.
إذن هناك وصال منهي عنه ووصال جائز، الوصال المنهي عنه، هذا في حق الأمة محرَّم، وفي حق النبي ﷺ جائز ومباح.
أن يصوم يومين أو أكثر دون إفطار أو سحور.
أما الوصال الجائز، أنك لك أن تواصل ولا تفطر، وتتناول الإفطار في وقت السحور.
في الدرس القادم إن شاء الله نتكلم عن صيام التطوع، ثم نتكلم عن آداب الصيام، ثم نتكلم بعد ذلك إن شاء الله تعالى عن مبطلات الصيام، ثم نتكلم بعد ذلك مباحات الصيام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا آمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحانك ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

هذه المواد من أراد أن ينشرها فلينشرها دون إذن وليتق الله فيها.