أحكام الصيام – الدرس الخامس – مفرغ

التصنيفات: الفقه, دروس سلاسل, دروس مفرغة, رمضان, فقه عدد الزيارات : 657

الدرس الخامس: ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة – قضاء رمضان – ليلة القدر – زكاة الفطر من كتاب منهاج المسلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ﷺ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70- 71].
أما بعد..
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد،
ما زلنا بفضل الله تعالى مع أحكام الصيام مع الدرس الخامس من هذه الأحكام، ومع كتاب «فقه السنة» للشيخ الجليل السيد سابق -رحمه الله تعالى-، بتحقيق الألباني -رحمه الله تعالى- أيضًا، ومن التعليق عليه من كتاب «تمام المنة» للألباني.
كنا في الدرس الماضي قد أخذنا ما يبطل الصيام ويوجب القضاء، يعني الصيام يكون باطلًا لكن يقضي يومًا مكانه واحدًا فقط، دون أن تكون عليه كفارة، وعلمنا مبطلات الصيام، أولًا وثانيًا: الأكل، والشرب عمدًا، ثالثًا: القيء عمدًا، رابعًا وخامسًا: الحيض والنفاس، سادسًا: الاستمناء وعلمنا ما فيه من تفصيل.
سابعًا: تناول ما لا يُتغذَّى به من المنفذ المعتاد إلى الجوف، مثل تعاطي الملح الكثير.
ثامنًا: ومَن نوى الفطر وهو صائم بطل صومه وإن لم يتناول مفطرًا.
تاسعًا: وهذه علمنا أنه لا تبطل الصيام على الصحيح إذا أكل أو شرب أو جامع ظانًا غروب الشمس وعدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك، وعلمنا أن الذي يوافق الأحاديث الصحيحة أن هذا من قبيل قول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:5].
ثم بعد ذلك وقفنا عند الكلام عن القسم الثاني من مبطلات الصيام، وهو: ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة.
يعني صيامه باطل، ثم عليه أن يقضي يومًا مكانه، ثم بعد ذلك عليه كفارة، سنرى هذه الكفارة إن شاء الله تعالى.
وأما ما يبطل ويوجب القضاء والكفارة، فهو الجماع لا غير عند الجمهور.
فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: هلكت يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» ﷺ، قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان.
فقال ﷺ: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»؟ قال: لا.
قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا.
قال: ثم جلس فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر [يعني مكيال يسع خمسة عشر صاعًا]، فقال: «تصدَّق بهذا».
قال: فهل على أفقر منا؟ -أي: يا رسول الله – فما بين لابتيها [المقصود باللابة، لابتيها جمع لابة، وهي الأرض التي فيها حجارة سود، والمراد: ما بين أطراف المدينة] أفقر منا.
يعني المقصود هنا ما بين الحرتين الشرقية والغربية، فقال الرجل: فهل على أفقر منا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى بدت نواجذه، وقال: «اذهب فأطعِمْه أهلك». رواه الجماعة.
يعني حتى قيل: إن هذا الرجل قال لقومه: “يا قوم، وجدتُ عندكم الضيقَ ووجدتُ عند رسول الله الفرج ﷺ. أي: بما فرَّج الله تعالى.
هنا يستدل بهذا من ذهب إلى سقوط الكفارة بالإعسار، طالما أنه فقير، هناك من يرى أنه لا كفارة عليه، وهو أحد قولي الشافعي، ومشهور مذهب أحمد، وجزم به بعض المالكية.
إلا إن رأي الجمهور على أن الكفارة لا تسقط بالإعسار، حتى لو أطعم رغيفًا واحدًا عن كل مسكين إن لم يستطع الصيام أو العتق.
ومذهب الجمهور: أن المرأة، والرجل سواء، في وجوب الكفارة عليهما ما داما قد تعمدا الجماع مختارَيْن، في نهار رمضان ناوِيَيْن الصيام.
نأخذ جزئية جزئية في هذه الفِقرة، ومذهب الجمهور أن المرأة والرجل سواء في وجوب الكفارة عليهما.
ما داما قد تعمَّدا الجماع مختارَيْن في نهار رمضان؛ فإن كان الصيام قضاء، فإن كان الصيام قضاء رمضان أو نذرًا، وأفطر بالجماع فلا كفارة في ذلك، يعني واحد عليه صيام خمسة أيام من رمضان.
في قضاء الصوم جامَع زوجته، في هذه الحالة لا نقول عليه كفارة كذا، ولكن في هذه الحالة أن هذا اليوم ويأتي بيوم مكانه فقط.
فإن وقع الجماع نسيانًا، أو لم يكونا مختارين، [واحد أمسك لهما السلاح: إن لم تجامع أهلك سأقتلك] بأن أُكرها عليه، أو لم يكونا ناوِيَيْن الصيام، فلا كفارة على واحد منهما.
والسؤال الآن: ما الحل إذا أُكرِهت المرأة من قِبَل الرجل؟
لو أنه هددها بالطلاق إذا لم يجامعها، ورأت أنه سيطلقها حقيقة، أو بأي طريقة من طرق التهديد، فما الحل؟
فإن أُكرهت المرأة من الرجل، أو كانت مُفطرة لعذر، وجبت الكفارة عليه دونها. هذا رأي.
ومذهب الشافعي: أنه لا كفارة على المرأة مطلقًا، لا في حالة الاختيار، ولا في حالة الإكراه، وإنما يلزمها القضاء فقط.
قال النووي رحمه الله: والأصح -على الجملة- وجوب كفارة واحدة عليه خاصة عن نفسه فقط، وأنه لا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب، لأنه حق مال مختص بالجماع، فاختص به الرجل، دون المرأة، كالمهر.
قال أبو داود: سئل أحمد [أي: هذه إحدى الروايتين عن أحمد] عمَّن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة.
ما الدليل على ذلك؟
قال في «المغني»: ووجه ذلك أن النبي ﷺ أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه بوجود ذلك منها. اهـ.
يعني في الحديث الذي معنا الآن النبي ﷺ أمره أن يقوم بإخراج كفارة، لكنه ما أمر المرأة أيضًا بالكفارة، وإنما أمر الرجل فقط، وهذا هو الصحيح حقيقة.
والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث، في قول جمهور العلماء.
فيجب العتق أولًا، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين، ليس فيهما رمضان ولا أيام العيدين والتشريق؛ لأن هذه الأيام رمضان فريضة، والأيام الأخرى يحرم الصيام فيها بإجماع العلماء قاطبة ونص الأحاديث.
فإن عجز عنه، أطعم ستين مسكينًا من أوسط ما يطعم منه أهله، وأنه لا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى، إلا إذا عجز عنها.
يعني العتق أولًا، بعد ذلك الصيام، بعد ذلك إطعام ستين مسكينًا.
ويذهب المالكية، ورواية لأحمد إلى أنه مخيَّر بين هذه الثلاث فأيها فعل أجزأ عنه.
قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات، ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة.
مسألة
ومن جامع عامدًا في نهار رمضان ولم يكفِّر، ثم جامع في يوم آخر منه فعليه كفارة واحدة عند الأحناف، ورواية عن أحمد لأنه جزاء عن جناية تكرَّر سببها قبل استيفائها، فتتداخل.
وهذا الرأي ليس بالقوي لماذا؟
وقال مالك والشافعي، ورواية عن أحمد: عليه كفارتان، لأن كل يوم عبادة مستقلة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين.
وهذا هو الصحيح، يعني لو أنه جامع في نفس اليوم مرتين أو ثلاثة ليس فيه إشكال، لكنه يجامع في يوم ثم يجامع في يوم آخر فيكون عليه كفارتان، وهذا مثل الإملاء في المدرسة، لو أن التلميذ أخطأ في كلمة في الإملاء ثم تكررت في الموضوع الواحد الكلمة نفسها هي هي ولو خمس مرات فإنها تُحسب خطأ واحدًا فقط، لكن حين تختلف الكلمات فهذه الحالة لا بد أن تعتبر عدة أخطاء، فالصحيح أنه لو في اليوم الواحد هذا خطأ واحد، لكن لو في أيام متعددة فهذه أخطاء متعددة بكفارات متعددة.
وقد أجمعوا على أن من جامع في نهار رمضان عامدًا وكفَّر، ثم جامع في يوم آخر فعليه كفارة أخرى.
وكذلك أجمعوا على أن من جامع مرتين في يوم واحد ولم يكفِّر عن الأول، أن عليه كفارة واحدة.
فإن كفَّر عن الجماع الأول لم يكفِّر ثانيًا عند جمهور الأئمة.
وقال أحمد: عليه كفارة ثانية.

قضاء رمضان
قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسعًا في أي وقت، وكذلك الكفارة.
وسنقرأ إن شاء الله تعالى ما جاء في «تمام المنة» بعد أن ننتهي هنا إن شاء الله تعالى.
فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان -كما في صحيح مسلم- ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء.
يعني من غير المعقول أن عائشة رضي الله عنها لم تصُم مثلًا يوم عاشوراء، ولا في يوم من الأيام كالاثنين والخميس، معنى ذلك أنها كانت تصوم النفل ثم تقضي ما عليها بعد ذلك.
وتظهر هذه المسألة بعد رمضان في صيام الست من شوال، فلو قلنا إن المرأة يجب عليها أن تقضي ما عليها من رمضان على سبيل الفور، معنى ذلك أنها لا تصوم أيامًا من شوال، بل عليها أن تصوم ما عليها من رمضان ثم لها أن تصوم ستًّا من شوال.
ولو قلنا: إن لها أن تصوم على التراخي كما قالت عائشة رضي الله عنها: “كنت أقضي ما عليَّ من رمضان في شعبان، كما سيأتي الحديث الآن، في هذه الحالة فعلمنا الآن أنه يجوز على التراخي.
لكن في هذه المسألة في «تمام المنة في التعليق على فقه السنة»، يقول ردًّا على كلام قضاء رمضان لا يجب على الفور، قد قلت: يتنافى مع قوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133].
فالحق وجوب المبادرة إلى القضاء حين الاستطاعة، وهو مذهب ابن حزم، وليس يصح في السنة ما يعارض ذلك.
أما ما صح عن عائشة رضي الله عنه أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء.
قال في تمام المنة: وليس بصواب؛ لأنه ليس في حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقدر أن تقضيه فورًا، بل فيه عكس ذلك، فإن لفظ الحديث عند مسلم، “كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ، أو برسول الله ﷺ.
يعني كانت مشغولة بالرسول ﷺ، أي: إنها ما كانت تستطيع، وهكذا أخرجه البخاري أيضًا في صحيحه، خلافًا لما أوهمه تخريج المصنف.
وفي رواية لمسلم عنها قالت: إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان.
فالحديث بروايته صريح في أنها كانت لا تستطيع ولا تقدر على القضاء قبل شعبان، وفيه إشعار بأنها لو استطاعت ما أخرته.
وعلى العموم هذه مسألة خلافية، والإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: إن الله لا يعذِّب فيما اختلف فيه العلماء.
يعني العلماء المعمول بخلافهم، وليس أي إنسان يقول أي كلام.

ما زلنا في الكلام عن قضاء رمضان، وهذه الأحكام الخاصة بالقضاء يجب أن ننتبه إليها، لأنها تعم كثيرًا من الناس.
والقضاء مثل الأداء، بمعنى أن من ترك أيامًا يقضيها دون أن يزيد عليها.
لو أن عليك أيامًا من رمضان عليك أن تكون هذه الأيام مثل الأداء.
وكما نعلم في إطعام المسكين وجبة واحدة فقط، وهناك تنبيه كنت أود أن أذكره في الدرس الماضي ولكني نُسِّيت.
في مبطلات الصوم عرفنا أن كل ما دخل الجوف عن طريق المدخل المعتاد يبطل الصوم، أما عن غير المدخل المعتاد لا يبطل الصوم، يعني عن طريق الفم يبطل، عن طريق الأنف يبطل، هذا الراجح.
لكن لو دخل قطرة في الأذن أو في الحقنة الشرجية، أو غيرها طالما أنه من غير المدخل المعتاد، فإنه لا يبطل الصيام.
هنا ما الفرق بين القضاء والأداء؟
ويفارق القضاء الأداء، في أنه لا يلزم فيه التتابع، لقول الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].
أي: ومَن كان مريضًا، أو مسافرًا فأفطر، فليصُم عدة الأيام التي أفطر فيها في أيام أُخر، متتابعات أو غير متتابعات، فإن الله تعالى أطلق الصيام ولم يقيِّده.
سؤال آخر: إن أخَّر القضاء حتى دخل رمضان آخر، ماذا يفعل؟
إنسان عليه عشرة أيام من رمضان ثم دخل رمضان الحاضر وهو عليه من رمضان لم يصمها، ماذا يفعل؟
وإن أخَّر القضاء حتى دخل رمضان آخر، صام رمضانَ الحاضر، ثم يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه.
يصوم رمضان مع الناس ثم يقضي ما عليه من رمضان الماضي تماما مثل الصيام، سواء كان التأخير لعذر، أم لغير عذر.
يعني ليس هناك فدية ولا كفارة على هذا التأخير.
وهذا مذهب الأحناف، والحسن البصري.
ووافق مالك والشافعي، وأحمد، وإسحق، والأحناف في أنه لا فدية عليه، إذا كان التأخير بسبب العذر.
وخالفوهم فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير.
فالظاهر أن ما ذهب إليه الأحناف؛ فإنه لا شرع إلا بنص صريح، يعني سواء كان التأخير بعذر أو بغير عذر، عليه أن يقضي أيامًا مكان التي أفطرها ولا زيادة على ذلك.
من مات وعليه صيام
سؤال: يعني نحن الآن قلنا: إن أخَّر القضاء حتى دخل رمضان آخر، أي من مات وعليه صيام، فماذا يكون حكمه؟
أجمع العلماء على أن مَن مات – وعليه فوائت من الصلاة – فإن وليَّه لا يصلي عنه، هو ولا غيره، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته.
فإن مات وعليه صيام وكان قد تمكن من صيامه قبل موته ..
يعني مات -كما نعلم- في مرض غير مزمن؛ لأن المرض المزمن -عافانا الله وإياكم من المرضين – لا يستطيع أن يقضي بعد رمضان، إذن قلنا هذا عليه الإطعام؛ لأن العلة التي جعلته يفطر في رمضان، هي العلة التي جعلته يفطر في غير رمضان، فإذا كان هذا الرجل الذي عنده مرض غير مزمن عليه خمسة أيام كان قد أفطرها في رمضان، ثم توفي مثلًا في ذي الحجة، كان في إمكانه وشفاه الله تعالى بعد رمضان أن يصوم هذه الأيام، فما حكم هذه المسألة؟
فإن مات وعليه صيام وكان قد تمكَّن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه.
فذهب جمهور العلماء، منهم أبو حنيفة، ومالك، والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه، ويطعم عنه مُدًّا عن كل يوم، يعني يطعم مسكينًا عن كل يوم؛ لأنه كان في قدرته أن يصوم، إذن في هذه الحالة لا يصوم عنه وليه، وإنما يطعم عن كل يوم مسكينًا.
والمذهب المختار عند الشافعية: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى طعام عنه.
والمراد بالولي: القريب، سواء كان عصبة، أو وارثًا، أو غيرهما.
ولو صام أجنبي عنه صحَّ، إن كان بإذن الولي، وإلا فإنه لا يصح.
واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه».
إلى هنا الحديث صحيح، والباقي ضعيف كما في «تمام المنة».
وروى أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟
فقال ﷺ: «لو كان على أمِّك دَينٌ أكنتَ قاضيَه؟» قال: نعم. قال ﷺ: «فدَينُ الله أحقُّ أن يقضى».
صحيح النسائي، ولكن في قول البخاري ومسلم أخرجاه بلفظ “امرأة” دون لفظ الدَّين، بدل رجل امرأة، والحكم واحد في الحالين.
قال النووي: وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
ماتت وعليه، أو مات وعليه صوم، فليوليه أن يصوم.
ولكن المسألة لو أطعم جاز ولو صام جاز.

ما حكم التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها؟
يعني أحيانًا تجد الليل أربعة وعشرين ساعة، وأحيانًا تجد ليل عشرين ساعة، وأحيانًا تجد النهار عشرين ساعة، فما حكم التقدير في هذه البلاد؟
اختلف الفقهاء في التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، والبلاد التي يقصر نهارها ويطول ليلها، على أي البلاد يكون؟
فقيل: يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع، كمكة والمدينة، وقيل: [أي يكون التقدير] على أقرب بلاد معتدلة إليهم. يعني على أقرب البلاد التي يكون فيها النهار والليل يعني معتدلين، دون ناحية الوقت لا من ناحية الطقس، يكون فيها النهار والليل معتدلَيْن، فيكون التقدير أنه يؤذن الأذان على هذه البلاد وبالتالي يفطر عليه.

ليلة القدر
ننتقل الآن إن شاء الله تعالى للكلام عن ليلة القدر، بالمناسبة نحن في الدرس الماضي بقدر الله تعالى، كنا نتكلم عن أحكام الصلاة، ووصلنا إلى الكلام على قيام الليل، ثم تكلمنا في الدرس الذي يليه عن قيام رمضان بالتفصيل، لكن إن شاء الله تعالى سنأتي أيضًا في الترتيب هنا باختصار يؤدي الغرض.

فضل ليلة القدر
ليلة القدر أفضل ليالي السنة؛ لقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}. أي: القرآن. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر} [القدر: 2-3].
أي العمل فيها من الصلاة والتلاوة والذكر، خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
لأن الأمم الماضية كانت أعمارهم طويلة، أما هذه الأمة أعمارها قصيرة، فعوَّض الله ذلك في أن الرجل في هذه الأمة عندما يُحيي ليلة القدر بالعبادة الحقة دون ابتداع، فإن الله تعالى يجعل هذه الليلة من ناحية العمل والصلاة والتلاوة والذكر خير من العمل من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، يعني وثمانين عامًا، يعني كأنه عبَدَ الله تعالى في هذه الليلة أكثر من ثمانين عامًا.

استحباب طلبها
ويُستحَب طلبُها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، فقد كان النبي ﷺ يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان.
وتقدَّم، أنه ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله، وشدَّ المئزَر. أي: اعتزل النساء واشتد في العبادة.
متفق عليه كما في «صحيح الجامع».
وكما نعلم، حساب هذه الأيام، هناك من يقوم بحسابها على أن الشهر تسعة وعشرون، وبالتالي يبدأ من أسفل.
وهناك من يبدأ حسابها على أن الشهر ثلاثون، لكن الأصل في الشهر – كما يقول ﷺ في الصحيح: «الشهر تسعة وعشرون يومًا».
الأصل أنه عندنا كم؟ تسعة وعشرون.
أي الليالي هي؟
للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة -أي في تعيين ليلة القدر- فمنهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر.
يعني مرة في الحادي والعشرين، ومرة في الخامس والعشرين، ومرة في السابع والعشرين.
وأكثرهم على ليلة السابع والعشرين.
روى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كان مُتحرِّيها فليتحرَّها ليلةَ السابعِ والعشرين».
وروى مسلم عن أُبي ابن كعب أنه قال: “والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان -يحلف ما يستثني- (يعني ما يقول: إن شاء الله، يعني أقسمَ بالجزم دون استثناء) وواللهِ إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها.
سبحان الله! حتى إننا نجد في «تفسير ابن كثير»، وهذا ليس دليلًا وإنما استئناسًا يعني أن هناك من استدلَّ على أنها ليلة السابع والعشرين من سورة القدر، يعني {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} إلى آخر الآية، تجد {سَلَامٌ هِيَ} كلمة «هي» هي الكلمة السابعة والعشرون في سورة القدر.
حين تعدها تجد كلمة «هي» توافق الكلمة السابعة والعشرين من سورة القدر.
حتى في بعض أوجه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} هناك في قراءة (ليلة القَدَر).

قيامها والدعاء فيها
كما نعلم أن هناك كثيرًا من الناس يُخيل إليه أن ليلة القدر عبارة عن طاقة نور، كل هذه خرافات، خرافات وبدع، وإنما معنى ليلة القدر أن الله تعالى يتقبَّل منكم عمل هذه الليلة، ويشرح صدرك، وكما نعلم كما في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أراد أن يحدد لهم ليلة القدر، فتنازعوا، فقال النبي ﷺ: «قوموا فإنه لا ينبغي التنازع عندي».
أيضًا في كتاب العلم من صحيح البخاري، أراد النبي ﷺ أن يكتب لهم كتابًا قبل أن يموت، فمنهم من قال: حَسبُنا كتاب الله بين أيدينا.
كتابًا، يعني وصية، ورقة، غير حديث: «تركتُ فيكم ما إن تمسَّكْتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي».
فقالوا: حسبنا كتاب الله بين أيدينا، فقال النبي ﷺ: «قوموا فإنه لا ينبغي التنازع عندي».
قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: وفيه أن الخلاف سبب لنزع الرحمة، لأنهم عندما اختلفوا في تحديد ليلة القدر، قال لهم النبي ﷺ: «قوموا»، وعندما اختلفوا أيضًا عندما أراد أن يكتب لهم كتابًا ﷺ، قال لهم النبي ﷺ ماذا؟ «قوموا» فدائمًا الخلاف يكون سببًا في نزع الرحمة.

قيامها والدعاء فيها
روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وروى أحمد، وابن ماجه، والترمذي – وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إن علِمْتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال ﷺ تسليمًا: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني». صحيح كما في «صحيح الترمذي».
تقول “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”، طبعًا الحديث ليس فيه كريم، ليس فيه عفو “كريم” أبدًا؛ لكن في الحديث هنا لا يوجد هذا اللفظ، وهو كريم سبحانه وتعالى، والعبادة توقيفية، لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] مثل بعض الأدوية فيها كمية من السكر معينة، لو أنك زودتَ في كمية السكر فإنه يفسد الدواء، ولو أنك قلَّلتَ في كمية السكر فإنه يفسد الدواء أيضًا، ولكن أنت تأتي بالمقدار المعين في السكر، ثم بعد ذلك حتى ولو تأكل جوالًا من السكر ليس فيه شيء، فهكذا العبادة، طالما أن النبي ﷺ لم يسمح بالزيادة فلا تزِد على ذلك، وإنما تأتي بالمقادير التي وضَّحها صلى الله عليه وآله وسلم.

يأتي الكلام بعد ذلك الكلام إن شاء الله تعالى عن الاعتكاف، ثم عن صلاة العيدين.
والكلام عن الاعتكاف يحتاج درسًا كاملًا مستقلًا، ولكننا حتى لو حتى لو تتبعنا الترتيب، فالأصل في السنة أن زكاة الفطر تكون بعد رمضان، لكن هناك من يسارع ويخرجها أثناء رمضان، فنتكلم إن شاء الله تعالى عن زكاة الفطر؛ لأنها بطريقة مختصرة من كتاب منهاج المسلم للشيخ الجليل أبي بكر الجزائري، أثابه الله تعالى.

زكاة الفطر
جاء في كتاب «منهاج المسلم» للشيخ الجليل أبي بكر الجزائري أثابه الله تعالى، ما يلي:

حكمها
زكاة الفطر سنة واجبة على أعيان المسلمين؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «فرضَ رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطرِ من رمضانَ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ، على العبدِ والحرِّ، والذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبيرِ من المسلمين». متفق عليه، رواه البخاري ومسلم.
سنرى إن شاء الله تعالى ما هو الصاع، ونرى التقدير السهل لمن أراد أن يعرف هذا التقدير.
حكمتها
من حكمة زكاة الفطر أنا تُطهِّر نفس الصائم مما يكون قد علَق بها من آثار اللغو والرفث، كما أنها تغني الفقراء المساكين عن السؤال يوم العيد، فقال قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فرضَ رسولُ الله ﷺ زكاة الفطرِ طُهرةً للصائم من اللغوِ والرفثِ، وطُعمةً للمساكين». رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم، وتمامه: «فمَن أدَّاها قبلَ الصلاةِ فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصلاةِ فهي صدقةٌ من الصدقاتِ».

مقدارها وأنواع الطعام الذي تخرج منه
مقدار زكاة الفطر صاع، والصاع أربعة أمداد، يعني حفنات، فمقدار زكاة الفطر صاع، والصاع أربعة أمداد، يعني أربع حفنات.
الآن تُقدَّر زكاة الفطر بأربع حفنات، فقير يُخرج أربع حفنات من دقيق.
يأتي الناس ويقولون: كم زكاة الفطر الآن؟ فيقال كذا.. فتكون بذلك قد سوَّيتَ بين الفقير والغني، وهذا خطأ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى عن هذه النقطة بإذن الله تعالى.
وتخرج من غالب قوت أهل البلد سواء كان قمحًا أو شعيرًا أو تمرًا أو أرزًّا أو زبيبًا، أو أقطًا، والأقط: اللبن المجفف؛ لقول أبي سعيد رضي الله عنه: كنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ نُخرج زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعًا من طعام أو صاع من أقِط، أي: اللبن المجفف، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب.

فهنا قبل أن ننتقل إلى نقطة الطعام أو غير الطعام، كان عثمان بن عفان يُخرج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه، وهذا شيء مستحبٌّ، يعني لو أن رجلًا امرأته حامل يُستحَب له أن يخرج زكاة الفطر عن هذا الجنين.

لا تخرج من غير الطعام.
الواجب أن تخرج زكاة الفطر من أنواع الطعام، ولا يُعدَل عنه إلى النقود إلا لضرورة، إذ لم يثبت أن النبي ﷺ أخرج بدلها نقودًا، بل لم يُنقل حتى عن الصحابة إخراجها نقودًا أبدًا.
وسبحان الله! يعني أنت عندما تكون زكاة الفطر هذا العام خمسة جنيهات، أو ثلاثة جنيهات، أو عشرة جنيهات، أو عشرين جنيهًا، فقد سوَّيتَ بين الفقير والغني.
لكن الفقير من الممكن أن يخرج أربع حفنات من الدقيق، والغني بإمكانه أن يخرج أربع حفنات من الزبيب.
وقد يقول قائل: وماذا يفعل الفقير بالزبيب؟ سبحان الله! أليس الأصل فيه أن يأكل ؟
ثم إن الذي يقول إنها تُخرج من النقود، هذا يقدِّم بين يدي الله ورسوله، والله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم} [الحجرات:1].
وأنت ترى أن أي رجل عنده أولاد بمجرد أن يُيسِّر الله تعالى له المال يأتي بخزين في البيت، فينزل يأتي بأرز، ويأتي بقمح عند الناس الذين يطحنون في الأرياف، يأتي بزيت مثلًا، يأتي بفاصولياء، يأتي بفول أو عدس لكي يُطبخ .. وهكذا، هذا الذي يريد أن يدخره الله تعالى للفقير، لكن المال يمكن أن يُصرف.
ولو كانت من المال لضمَّها الله تعالى إلى زكاة المال، لكن هذه الزكاة فِطر، هناك زكاة حبوب، زكاة الزروع تُخرج من الحبوب، زكاة المال تُخرج من المال، زكاة الأنعام تُخرج من الأنعام.
لكن سبحان الله في زكاة الإبل يُخرَج من خمسة من الإبل شاة وليس جملًا، انظر إلى رحمة الله تعالى بصاحب المال، فإذا كان عنده خمسة جمال، لا تقل له أخرج جملًا، يعني خُمس ماله، فمن رحمة الله تعالى بعباده أنه جعل في زكاة الإبل عندما تبلغ خمسة جمال تخرج عنها شاة.
فانظر، كيف أُخرج صنف من غيره! إذن لا نحكِّم العقل مع النقل، بل لا بد للإنسان أن يمتثل ما أمر الله تعالى به.
فلا تُخرَج من غير الطعام

وقت وجوبها، ووقت إخراجها
تجب زكاة الفطر بحلول ليلة العيد، هذا على سبيل الوجوب، وأوقات إخراجها، وقت جواز، ووقت أداء أو استحباب، ووقت قضاء.
وقت جواز، وهو إخراجها قبل يوم العيد بيوم أو بيومين لفعل ابن عمر ذلك.
ووقت أداء فاضل، وهو من طلوع فجر يوم العيد إلى قبيل الصلاة، يعني بعد أذان الفجر؛ لأمره ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة؛ ولقول ابن عباس رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث وطُعمةً للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة متقبَّلة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» وقد تقدم.
ووقت قضاء
وهو من بعد صلاة العيد فصاعدًا، فإنها تؤدَّى فيه وتجزئ لكن مع الكراهة.

مصرف زكاة الفطر
علمنا أن زكاة الفطر تخرج بعد أذان الفجر وقبل صلاة العيد، إذن لا تُنقل من بلد إلى بلد، وإلا لو تخيلنا أن سيارة من السيارات الكبرى بها أحمال من القمح تخرج من أسوان إلى أقاربه في القاهرة، أو الذي في القاهرة تخرج إلى أقاربه في أسوان.. إلى آخره، هذا ذهاب وإياب، فمن رحمة الله تعالى في زكاة الفطر بصفة خاصة أنها تخرج في نفس البلدة، بعكس زكاة المال فيجوز أن تُخرجها إلى أقاربك حتى لو في بلد آخر.
مصرف زكاة الفطر كمصرف الزكوات العامة، غير أن الفقراء والمساكين أولى بها من باقي السهام؛ لقوله ﷺ: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم».
فلا تدفع لغير الفقراء إلا عند انعدامهم، أو خفة فقرهم، أو اشتداد حاجة غيرهم من ذوي السهام.
تنبيهات مهمة
أولًا: يجوز أن تدفع المرأة الغنية زكاتها لزوجها الفقير، والعكس لا يجوز؛ لأن نفقة المرأة واجبة على الرجل، وليست نفقة الرجل واجبة على المرأة.
وهذا في أنواع الزكاة بصفة عامة، يجوز للمرأة الغنية أن تخرج زكاتها لزوجها الفقير.
ثانيًا: تسقط زكاة الفطر عمن لا يملك قوت يومه؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ثالثًا: من فضَلَ له عن قوت يومه شيء فأخرجه أجزأه؛ لقول الله تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
ما معنى ذلك؟ واحد عنده أربع حفنات من دقيق، أكل هو وأولاده ثلاث حفنات، وبقيت حَفنة، يتصدق بهذه الحفنة؛ لأن هذه تختلف عن زكاة المال.
يجوز صرف صدقة الفطر إلى متعددين موزعة عليهم، ويجوز صرف صدقة عدة أفراد إلى فرد واحد؛ إذ جاءت عن الشارع مطلقة غير مقيدة.
فيجوز لك أن تدفع كل زكاتك لشخص واحد، ويجوز لك أن تدفع زكاتك لأشخاص عدة.
خامسًا: تجب زكاة الفطر على المسلم في البلد الذي هو مقيم به.
سادسًا: لا يجوز نقل زكاة الفطر من بلد إلى بلد آخر إلا لضرورة شأنها شأن الزكاة.
ونكمل الكلام في أحكام الصيام في الدرس القادم بمشيئة الله تعالى.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا، آمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحانك ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

هذه المواد من أراد أن ينشرها فلينشرها دون إذن وليتق الله فيها.