أحكام الصيام – الدرس السادس – مفرغ

التصنيفات: الفقه, دروس مفرغة, رمضان, فقه عدد الزيارات : 1026

قيام رمضان من فقه السنة وزاد المعاد – مشروعيته – عدد ركعاته – القراءة فيه

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ﷺ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70- 71].
أما بعد،
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد،
مع الدرس السادس من أحكام الصيام، بعد الكلام عن مبطلات الصيام وبعد الكلام عما يتصل بذلك من أحكام.
نتكلم عن قيام رمضان..

مشروعية قيام رمضان
قيام رمضان أو صلاة التراويح سنة للرجال والنساء ..
التراويح جمع ترويحة، تُطلق في الأصل على الاستراحة كل أربع ركعات، ثم أُطلقت على كل أربع ركعات.
عن عرْفَجة قال: كان علي يأمر بقيام رمضان ويجعل للرجال إمامًا وللنساء إمامًا، فكنت أنا إمام النساء.
تؤدَّى بعد صلاة العشاء -أي صلاة قيام رمضان- وقبل الوتر ركعتين ركعتين، ويجوز أن تؤدَّى بعده ولكنه خلاف الأفضل، ويستمر وقتها إلى آخر الليل.
روى الجماعة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: «مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه».
«إيمانًا»: أي: تصديقًا، «واحتسابًا»: يريد به وجه الله تعالى.
ورووا إلا الترمذي عن عائشة قالت: صلى النبي ﷺ في المسجد فصلى بصلاته ناس كثير ثم صلى من القابلة فكثروا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال ﷺ: «قد رأيت صنيعكم [أي: تجمعكم وانتظاركم كي أخرج إليكم] فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن تُفرض عليكم» وذلك في رمضان.

عدد ركعات قيام رمضان
روى الجماعة عن عائشة أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن جابر، أنه ﷺ صلى بهم ثماني ركعات والوتر، ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم.
وروى أبو يعلى والطبراني بسند حسن عنه قال: جاء أبي بن كعب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه كان مني الليلة شيء، يعني في رمضان، قال: «وما ذاك يا أُبي؟» قال: نسوة في داري قُلن: إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك؟ -يعني صلِّ بنا نصلي بصلاتك- فصليت بهن ثماني ركعات وأوترت، فكانت -أي: تلك- سنة الرضا ولم يقل شيئًا ﷺ.
ذا هو المسنون الوارد عن النبي ﷺ ولم يصح عنه شيء غير ذلك ﷺ.
وصحَّ أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة، وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة وداود.
قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ: عشرين ركعة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي، وقال: هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين ركعة.
وذهب مالك إلى أن عددها ست وثلاثون ركعة غير الوتر.
وسنذكر التعليق على ما سبق.
وذكر ابن حبان أن التراويح كانت أولا إحدى عشرة ركعة، وكانوا يُطيلون القراءة فثقل عليهم فخفَّفوا القراءة وزادوا في عدد الركعات، فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة، ثم خفَّفوا القراءة وجعلوا الركعات ستًّا وثلاثين غير الشفع والوتر، ومضى الأمر على ذلك.
هنا قبل أن نقرأ التعليق الوارد في «تمام المنة في التعليق على فقه السنة»، يقول: هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين مكة.
عمل أهل مكة والمدينة يُحتج بهما عندما كان فيها الصحابة، أما بعد انفراط عهد الصحابة فليس بحجة؛ لماذا؟ «أمران ما إن تمسَّكتم بهما لم تضلوا بعدي كتاب الله وسُنتي» .
فالحجة في الكتاب والسنة، وعندما نتكلم عن هذه المسألة بالتفصيل إن شاء الله، مثلًا دعاء ختم القرآن الوارد الذي يُردد في الحرمين الآن، هذا خلاف السنة، ولم يرد فيه شيء قط عن النبي ﷺ ألبتة، ولا عن الصحابة ولا التابعين.
وهناك رسالة إن شاء الله أسأل الله تعالى أن يُيسر الوقت كي نقرأها بعنوان: «مرويات دعاء ختم القرآن وحكمه داخل الصلاة وخارجها» للشيخ بكر بن عبد الله بن أبي زيد، من كبار العلماء في الحجاز، ومن لجنة كبار العلماء، وأكد فيها أنه لم يرد أبدًا في أي حديث صحيح ولا موقوف قط أن النبي ﷺ ولا الصحابة ولا التابعين كانوا يدعون هذا الدعاء الوارد عند ختم القرآن الذي يفعله كثير من الناس جماعة، سواء قبل الركوع، بعد الركوع، أو في التشهد الأخير، أبدًا لم يرد هذا قط.
ثم ذكر في آخر جلدة في كتاب كلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قال في هذه الرسالة، قال: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، نلاحظ أن إخواننا في الحجاز جميعًا يقولون: نصلي على نبينا، وما كان هذا فعل السلف، وإنما نصلي على النبي.
على نبينا هذه ما وردت في أي كتاب من كتب السنة، فصلى الله على نبينا.

يقول: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فقد قرأت الرسالة التي كتبها أخونا الشيخ بكر أبو زيد حول الدعاء عند ختم كتاب الله العزيز، فألفيتُه قد أجاد فيها وأفاد في بحث علمي رصين، وما ذكره من أنه لا دليل على الدعاء عند ختم القرآن الكريم في الصلاة، فإن الأمر عندي كما قال، فجزاه الله تعالى خيرًا، وجعلنا الله وإياه من الهداة المهتدين، الصالحين المصلحين، إنه جواد كريم.
التعليق على ما قيل من الصحابة رضي الله عنهم، صلوا أكثر من إحدى عشر ركعة، وكما نعلم هنا حديث، تقول فيه عائشة رضي الله عنها في الصحيح: أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة أبدًا.
وفي «تمام المنة في التعليق على فقه السنة» قال الألباني رحمه الله:
قلت: أما عن عثمان فلا أعلم أحدًا روى ذلك عنه.
يعني أنا قرأت الآن أن عمر وعثمان والخلفاء كانوا يصلون عشرين ركعة، الرد على ذلك يقول الألباني رحمه الله:
قلت: أما عن عثمان فلا أعلم أحدًا روى ذلك عنه ولو بسند ضعيف، وأما عمر وعلي، فقد روي ذلك عنهما بأسانيد كلها معلولة، أي: ضعيفة، كما فصلت القول في ذلك تفصيلًا لا أعلم أني سُبقت إليه في كتابي صلاتي التراويح -أي: الألباني رحمه الله- وبيَّنت فيها أن الروايات الواردة في ذلك هي من النوع الذي لا يقوِّي بعضه بعضًا، وأنه لو صحَّ شيء منها فإنما كان ذلك لعلة وقد زالت؛ لأنه لم يبقَ في الأئمة من يطيل في القراءة تلك التي كان عليها السلف، حتى يعدلوا عنها إلى تقصير القراءة وتكثير الركعات، بدل التطويل.
وأنه لا إجماع على العشرين، وأن الذي صحَّ عن عمر رضي الله عنه بأصح إسناد مطابق لسنته ﷺ التي روتها عائشة كحديثها المذكور في الكتاب، فقد روى مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد  قال: أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميمًا الداري، أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة.
قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وهذا من الأدلة على جواز حمل العصا، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كانا ننصرف إلا ببزوغ الفجر.
وأثبت فيها – أي الألباني– أن التزامه ﷺ بإحدى عشرة ركعة طيلة حياته المباركة دليل قاطع على أن الصلاة في الليل ليس نفلًا مطلقًا كما يدعي الكثيرون، وأنه لا فرق بين صلاة الليل من حيث إثبات كونها صلاة مقيدة، وبين السنن الرواتب وصلاة الكسوف ونحوها؛ فإن هذه إنما ثبت كونها صلاة مقيدة لملازمته ﷺ لها، وليس بنهيه عن الزيادة عليها، وأن التمسك بالأحاديث المطلقة أو العامة في الحض على الإكثار من الصلاة لا يجوز الزيادة الذي لم يجرِ عليها عمله ﷺ كما حققته في صلاة التراويح ببحث عام، دعمته ببعض النقول عن الأئمة الفحول مؤداها أنه لا يجوز التمسك بالمطلقات التي جاءت مقيدة بعمله ﷺ.
وقلتُ هناك: وما مثل من يفعل ذلك إلا كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النبي ﷺ، كمًّا وكيفًا محتجًّا بتلك المطلقات، كمن يصلي مثلًا سنة الظهر يعني خمسًا وسنة الفجر أربعًا، وكمن يصلي بركوعين وسجدات، وفساد هذا لا يخفى على عاقل.
إلا أن قال: فائدة: هل الإنسان يزيد عن إحدى عشرة ركعة؟ وهل هذه الزيادة مسموح بها للإمام؟
فائدة: قال الإمام ابن خزيمة في صحيحه بعد أن ذكر الأحاديث الصحيحة في عدد ركعاته ﷺ في الليل من تسعة إلى ثلاث عشرة ركعة، ذكرنا في الدرس الماضي في قيام الليل أن الروايات التي ترى أنها ثلاثة عشر ركعة، قالوا مِن بينها ركعتا الفجر.
ماذا قال ابن خزيمة؟ وهذا الاختلاف من جنس المباح، فجائز للمرء أن يصلي أيَّ عدد أحب من الصلاة مما روي عن النبي ﷺ أنه صلاهن، وعلى الصفة التي وردت عن النبي ﷺ أنه صلاها؛ لا حظر على أحد.
فقوله: مما رُوي عن النبي ﷺ، واضح أنه لا يجيز الزيادة التي لم تُروَ عن النبي ﷺ، ومما يؤيد ذلك من صنيعه أنه في أبواب قيام رمضان، قال في أحدها: باب ذكر عدد صلاة النبي ﷺ بالليل في رمضان، والدليل على أنه ﷺ لم يكن يزيد في رمضان على عدد الركعات التي كان يصليها في غير رمضان، ثم ساق حديث عائشة بلفظين أحدهما: كانت صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر.
إذن القيام هو القيام، والصلاة هي الصلاة في رمضان وفي غير رمضان.
إذن الوارد عن النبي ﷺ أنه ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
ويرى بعض العلماء أن المسنون إحدى عشرة ركعة بالوتر والباقي مستحب.
قال الكمال ابن الهمام: الدليل يقتضي أن تكون السنة من العشرين ما فعله ﷺ ثم تركه خشية أن يُكتب علينا، والباقي مستحب.
وقد ثبت أن ذلك كان إحدى عشرة ركعة بالوتر كما في الصحيحين، فإذن يكون المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها والمستحب اثنتا عشرة.
المهم يقول رسول الله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فلو أنك كنتَ في أي مسجد كالحرمين مثلًا وهم يصلون أكثر من إحدى عشرة ركعة، يمكنك أن تصلي إحدى عشر ركعات أو ثماني ثم توتر معهم في الوتر، وفي العشر الأواخر طبعًا كما نعلم الخلط الذي وقع فيه الناس الآن، والتدليس أن الناس يفرقون بين التهجد والتراويح، هذه التفرقة ما أنزل الله بها من سلطان.
سبحان الله! هل ثبت عن أي أحد من الدنيا أن عدد الركعات يزيد في العشر الأواخر؟ أبدًا، الصلاة هي الصلاة، وعدد الركعات هو عدد الركعات، إنما في العشر الأواخر نزيد في القراءة، لكن لا نزيد في عدد الركعات، لكن في العشر الأواخر لو كنت في الحرم ورأيت القراءة تطول في آخر الليل، فيمكنك أن تصلي هذه الصلاة.
أما العدد الكثير فهذا لم يرد عن النبي ﷺ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، فالآن وقع الناس في أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
أولًا: صار الناس الآن حتى الذين كانوا يحفظون شيئًا من القرآن بدلًا من أن يكون شهر شعبان يقولون يسمونه شهر القراء يراجعون فيه، يعني الذي حفظه غير جيد، أما الذي حفظه جيد فبفضل الله عليه لا يفرق معه شعبان ولا رمضان.
وصار كثير من الناس الآن يقرءون من المصحف، وابتعد الناس عن الإمامة لمن يحفظ القرآن، نعم في الأذكار النووية أن مولى عائشة كان يؤمها من المصحف، ولكن هناك من ردَّ على ذلك، لأن النبي ﷺ علَّم من لم يحفظ الفاتحة أن يقول “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر”، ولم يعلمه أن يقرأ من المصحف، لعل الإنسان يجوز له استقراء الخط المكتوب للصلاة دون أن يحرك شفتيه أو كذا، ذكر ذلك النووي رحمه الله.
وتجد الناس قد صمموا مصحفًا مخصوصًا يُسمى “مصحف التهجد” وهذا العمل ما أنزل الله به من سلطان.
يُذكر أن أحد إخواننا دخل مسجدًا مرةً، ووجد الإمام يصلي العشاء من المصحف، فانتظره حتى ركع وأخذ المصحف وذهب إلى الصف الأخير، فأخذ الإمام يصرخ بعد الصلاة: مَن الذي أخذ المصحف؟ بالطبع لم يكمل السورة لأنه لا يحفظها.
إذن مسألة القراءة من المصحف هذه للضرورة لمن لا يجيد الحفظ.
ثانيًا: صار الناس الآن يقفون على علامات الأرباع والأجزاء والأحزاب، وهذا خلاف السنة، ففي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه ذهب إلى أن ذلك خلاف السنة، وإنما يقف الآن على انقضاء المعاني أو انضباط المعاني على الآيات عندما يختلط بعضها ببعض، لكن تجد الآن عند أغلب القراء في الركعة الأولى يركعون عند علامة الربع أو الحزب كأنها آخر السورة، بل بعض الناس يمكنه أن يصلي اليوم هنا ثم يصلي في مسجد آخر في منطقة بعيدة فيكمل نفس السورة ونفس الركعة ونفس الكلام، كل هذا خلاف السنة.
إذن المسألة الأولى، هي مسألة القراءة من المصحف، أضعفت الحفاظ ولم تُقدم الحفاظ، فيتقدم أي إنسان طالما أنه يستطيع القراءة.
والمسألة الثانية: مسألة الوقوف على علامات الأرباع والأحزاب والأجزاء، إنما تقف عند اكتمال المعنى.
ثالثًا: ومن هذه المسائل أيضًا أن الناس الآن صاروا يصنعون منبرًا للمصحف في كثير من المساجد، وهو عبارة عن حامل للمصحف فيه لمبة وكل هذا خلاف السنة، وسبحان الله موسى عليه السلام لما قال: “يا ربِّ، إني أرى في الألواح أمة يحفظون كتابهم في صدورهم، وكان مَن قبلهم يقرءون كتابهم نظرًا…” إلى آخر الحديث كما نعلم.
إذن اتباع السنة هو الصحيح، وإن شاء الله سنقوم بقراءة الكلام الوارد في دعاء ختم القرآن ونعرف الخلاصة فيه في وقت مناسب.

الجماعة في قيام رمضان
قيام رمضان يجوز أن يُصلى في جماعة كما يجوز أن يصلى على انفراد، ولكن صلاته جماعة في المسجد أفضل عند الجمهور.
وقد تقدم ما يفيد أن الرسول ﷺ صلى بالمسلمين جماعة ولم يداوم على الخروج خشيةَ أن يُفرض عليهم، ثم كان أن جمَعهم عمر على إمام.
قال عبد الرحمن ابن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.
فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل -يعني أفضل- ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب.
ثم خرجت معه في ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نِعمت البدعة هذه -أي: جَمْعهم على إمام واحد- والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل -أي إن صلاتها آخر الليل أفضل- وكان الناس يقومون أوله.
رواه البخاري وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم.

القراءة فيه
ليس في القراءة في قيام رمضان شيء مسنون، وورد عن السلف أنهم كانوا يقرءون المائتين ويعتمدون على العصي من طول القيام.
ولذلك الذي يحمل عصا كيف يكون طولها؟ يأتي بعصا ويقيس هكذا، ولذلك فالإنسان عندما يأتي بعصا فإنه يفعل السُّنة، ومن أراد أن يقرأ فوائد العصا وما جاء فيها من كلام فليقرأ في تفسير القرطبي في قوله تعالى من سورة طه: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [17-18]، وأيضًا في سورة سبأ: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} [سبأ: 14].
فمن يقرأ في تفسير القرطبي يجد فوائد جمة، فقد قالوا: إن العصا تُرهب الشيطان، حتى في صلاة الفجر لو أنك تنزل وليس معك عصا يتحكم فيك الكلب، لكن عندما يكون معك العصا ما يستطيع الكلب أن يأتي نحوك أبدًا.
ولا ينصرفون إلا قبيل بزوغ الفجر فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطلع عليهم.
وكانوا يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قُرئ بها في اثنتي عشرة ركعة عد ذلك تخفيفًا.
قال ابن قدامة: قال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفف على الناس ولا يشق عليهم، ولا سيما في الليالي القصار. أي في ليالي الصيف.
وقال القاضي: لا يُستحب النقصان من ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على مَن خلفه، والتقدير بحال الناس أولى؛ فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل كان أفضل، كما قال أبو ذر: قُمنا مع النبي ﷺ حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، يعني السحور. وكان القارئ يقرأ بالمائتين.

نترك فقه السنة ونقرأ في كتاب زاد المعاد لابن القيم رحمه الله تعالى، ثم نقرأ في هديه ﷺ في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه وتحسين صوته به وتوابع ذلك.
في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله: “وكان ﷺ يقطع قراءته” لأن الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} أما مجرد السرعة فهذا تسميع، ما هذه قراءة، وسنرى كيف كان يقرأ النبي ﷺ.
وكان ﷺ يقطع قراءته، ويقف عند كل آية فيقول: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} ويقف {الرَّحْمـنِ الرَّحِيم} ويقف {مَـالِكِ يَوْمِ الدِّين} هكذا الحديث، يعني كلمة ويقف كما وردت في الحديث.
رواه أحمد في المسند وصححه الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي، وقد تقدم.
وذكر الزهري أن قراءة رسول الله ﷺ كانت آية آية، وهذا هو الأفضل الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلَّقت بما بعدها، يعني مثلًا في سورة الماعون الآية هكذا: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون} [الماعون: 4-5] هنا {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} تجد “لا” على رأس الآية، مع أننا نعلم أن النبي ﷺ كان يقف على رأس كل آية، قال العلماء: إذا وجدت “لا” على رأس الآية معناها أنك تقف لكن لا تُنهي القراءة، يعني ما يصح أن تقول: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} وتغلق المصحف أو تنتهي من القراءة، أو: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} الله أكبر، أبدًا، وإنما تتمها {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون} هكذا.
اللهم إلا في آيات معينة، وأهمها الآية الواردة في سورة الصافات، نقرأ الآية ونقرأ الصحيح في قراءتها، آيتين هكذا {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} [151-152] في هاتين الآيتين عندما تقف كأنك ترى أن الذين يقولون إن الله له ولد هم الأصح، تعالى الله عما يقولون، فتكون قراءتها بالكيفية الآتية هكذا: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون} وتقف {مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} هكذا.
يقول ابن القيم رحمه الله: وذكر الزهري أن قراءة رسول الله ﷺ كانت آية آية، وهذا هو الأفضل الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها.
وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاطع والوقوف عن انتهائها، واتباع هدي النبي ﷺ وسنته أولى، وممن ذكر ذلك البيهقي في «شعب الإيمان» وغيره، ورجَّح الوقوف على رءوس الآي – يعني الآيات – وإن تعلقت بما بعدها.
وكان ﷺ يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. كيف ذلك؟
مثلًا لو أنك قرأتَ سورة الرحمن بالمدود، فمن ناحية الآيات لو رددت سورة الرحمن بالمدود فمن الممكن أن تصل إلى قريب من قراءة الشورى، رغم أن سورة الشورى أكثر في آياتها من سورة الرحمن.
وسبحان الله! تجد في كلام النبي ﷺ العادي المعروف في شمائله ﷺ أنه كان ﷺ إذا تكلم يمكنك أن تعُدَّ أحرف الكلمة لعددتها، هذا في كلامه العادي فما بالك بالقرآن!
وكان ﷺ يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية يرددها حتى الصباح، وهذا جاء في حديث مسلم في قوله تعالى في سورة المائدة: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [المائدة:118]. ردد النبي ﷺ ليلة كاملة هذه الآية في قيامه كله.
وأيضًا قام تميم الداري ليلة كاملة يردِّد هذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون} [الجاثية:21]

وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة؟
يعني هل الأفضل من يقرأ بسرعة قراءة أكثر، أم إنه يرتل مع قلة القراءة؟ وهذا مع شيء واحد، فالكل داخل في دائرة التجويد، لكن كونك تقتصر على أنك لا تأتي بالمنفصل ولا بالمتصل وتقرأ هكذا، فهذا لا ينطبق عليه السؤال، وإنما هذا السؤال فيمن يبتدع، يعني طبعًا هناك مراتب في القراءة كالترتيل والتحقيق.. إلى آخره.
فهنا وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة، أيهما أفضل؟ على قولين.
فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أن الترتيب والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها، هذا هو الرأي الأول.
قال: واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره والفقه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه كما قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا.
جعل كونه يتلو القرآن ظنه عملًا، فاتخذوا تلاوته عملًا.
ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به والعاملون بما فيه وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه -كأصحاب قراءة المآتم- ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم.
قالوا: ولأن الإيمان أفضل الأعمال وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان، وأما التلاوة مجرد التلاوة بغير فهم ولا تدبر فيفعلها البر والفاجر والمؤمن والكافر، كما قال النبي ﷺ: «ومثَلُ المنافقِ الذي يقرأ ُالقرآنَ كمثل الرَّيحانةِ، ريحُها طيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ» رواه البخاري ومسلم.
والناس في هذا أربع طبقات؛ أهل القرآن والإيمان وهم أفضل الناس. والثانية: من علم القرآن والإيمان. الثالثة: من أوتي قرآنًا ولم يؤتَ إيمانًا. الرابعة: من أوتي إيمانًا ولا يؤتَ قرآنًا.
قالوا: فكما أن من أوتي إيمانًا بلا قرآن، أفضل ممن أوتي قرآنا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهمًا للتلاوة، أفضل من أوتي كثرة القراءة وسرعتها من التدبر، قالوا: وهذا هدي النبي ﷺ؛ فإن كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح.
وقال أصحاب الشافعي [وهذا هو الرأي الثاني]: كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود  قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن قرأ حرفًا من كتابِ الله فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ الم حرف، ولكن ألِفٌ حرف، ولامٌ حرفٌ وميم حرف». رواه الترمذي، صحيح.
قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة، وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في كثرة القراءة.
كان هذا مرة للبيان، وهذا ممكن يكون في الشتاء، يعني ممكن تقرأ القرآن بسرعة فتنتهي من أربعة أجزاء في ساعة، أربعة أجزاء في سبع ساعات بثمانية وعشرين جزءًا، يعني من الممكن في سبع ساعات ونصف، تقرؤه في ليلة بسرعة فتنتهي منها.
قال ابن القيم رحمه الله: والصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول الذي يرتل هذا تصدَّق بجوهرة ثمينة، أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة، والثاني كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد قيمتهم رخيصة.
في صحيح البخاري عن قتادة  قال: سألتُ أنسًا عن قراءة النبي ﷺ، فقال: كان يمدُّ مدًا.
وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلتُ لابن عباس: إني رجل سريع القراءة وربما قرأتُ القرآن في ليلة مرة أو مرتين؟ فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إليَّ من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنتَ فاعلًا فلا بدَّ فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ويعيها قلبك.
وقال إبراهيم: قرأ علقمة عن ابن مسعود وكان حسن الصوت، فقال: رتِّل فداك أبي وأمي؛ فإنه زَيْن القرآن.
وقال ابن مسعود: لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر.
الهذ: سرعة القراءة بغير تأمل.
ماذا قال ابن مسعود: لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثُروه نثْرَ الدَّقَل، وقِفوا عند عجائبه وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
ومعنى نَثْر الدَّقَل: أي: كما يتساقط الرطب الرديء اليابس من العِذق إذا هُز، يعني البلح عندما يكون في العُرجون وهو البلح القوي الجيد حين تهزه قبل أن ينضج نضجًا كاملًا يكون ثابتًا، أما البلح غير الجيد فهذا يقع بسرعة.
هذا من ناحية العِذق، ولكن بعض التمر –كما عندنا في الواحات- لا يستطيعون أن يضعوه في القُفة، وإنما يأتون بالحلة، فعندما يأخذون البلح تظل النواة في العرجون وتخرج البلحة من طيبها ومن جودتها هكذا، ثم يضعونها في الحلة.
وقال عبد الله أيضًا -أي ابن مسعود-: إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأَرْعِها سمعَك فإنه خيرٌ تؤمَر به أو شر تُصرَف عنه.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلتْ عليَّ امرأةٌ وأنا أقرأ سورة هود، فقالت: يا عبد الرحمن، هكذا تقرأ سورة هود؟ –أي متعجِّبةً– والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغتُ من قراءتها، يعني لعل هذا من ناحية تدبرها، ولكن الإنسان لا بدَّ أن ينتهي من وِرده، يعني أقل شيء مرة في الشهر.
سبحان الله! كيف يُطيق القلب أن يظل شهرًا كاملًا لا يقرأ إلا سورة هود، شهرًا كاملًا لا يقرأ إلا سورة الرعد، شهرًا كاملًا لا يقرأ إلا سورة الحجر، شهرًا كاملًا يعني مرة واحدة، شهرًا كاملًا لا يقرأ سورة الحجر إلا مرة واحدة، سورة النحل إلا مرة واحدة، الإسراء مرة واحدة، البقرة مرة واحدة.
كيف يُطيق القلب أنه يظل مرة في الشهر يقرأ هذه السورة، القلب لا يُطيق، فسبحان الله! هذا القرآن من أعظم ما يعطي الله تعالى العبد، ولذلك يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} [يونس:58].
في مدارك السالكين لابن القيم {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ} يعني الإسلام {وبرحمته} القرآن، يعني من الممكن أن الله يعطيك الفضل أي: الإسلام، ولا يعطيك القرآن.
وكان رسول الله ﷺ يُسر بالقراءة في صلاة الليل تارةً ويجهر بها تارة، ويُطيل القيام تارة، ويخفِّفه تارة ﷺ، ويوتر آخر الليل وهو الأكثر، وأوله تارة، وأوسطه تارة، هذا في قراءة القرآن بصفة عامة.
وكان ﷺ يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قِبل أي جهة توجهت به، فيركع ويسجد عليه إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
وبالطبع هذا ليس في السفر فحسب، بل عندما كنا نقرأ في باب شروط الصلاة، ووصلنا إلى استقبال القبلة في شروط الصلاة، عرفنا أن استقبال القبلة فريضة، ولا يسقط إلا في الأحوال الآتية: صلاة النفل للراكب، فيجوز للراكب أن يتنفَّل على راحلته يومئ بالركوع والسجود، فيكون سجوده أخفض من ركوعه، وقبلته حيث اتجهت دابتُه، فعن عامر بن ربيعة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجَّهت به. رواه البخاري ومسلم.
وزاد البخاري: يومئ برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة.
وعند مسلم أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته وهو مُقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجَّهت، وفيه نزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}.
وعن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يصلون في رحالهم ودوابهم حيث توجهت.
وقال ابن حزم: وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين عمومًا في الحضر والسفر.

نعود مرة أخرى إلى «زاد المعاد» في الفقرة الخاصة بالصلاة على الدابة:
وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعًا استقبل القبلة فكبَّر للصلاة ثم خلَّى عن راحلته، ثم صلى أينما توجهت به.
وهذا الحديث إسناده قوي، لكن قال العلماء: لا يشترط أنك عندما تصلي على الدابة أن تكبر في اتجاه القبلة، وإنما تكبر حيث كنت تسير على الدابة وحيثما اتجهت دابتك.
فاختلف الرواة عن أحمد هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ يعني لا بد أن يتجه إلى القبلة عند بداية النفل، خاصة إذا استطاع؟ على روايتين.
فإن أمكنه الاستدارة إلى القبلة في صلاته كلها مثل أن يكون في مَحمِل أو عمارية ونحوها -محمل هذا مثل الصندوق على الدابة-، فهل يلزمه، أو يجوز له أن يصلي حيث توجهت به الراحلة؟
فروى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن صلى في محمل أنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة؛ لأنه يمكنه أن يدور وصاحب الراحلة والدابة لا يمكنه، وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارة في المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه، يعني لا يًشترَط.
واختلفت الرواية عنه في السجود في المحمل، فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: وإن كان مَحمِلًا فقدر أن يسجد في المحمل فيسجد.
فروى عنه الميموني إذا صلى في المحمِل أحب إلي أن يسجد لأنه يمكنه.
وروى عنه الفضل بن زياد: يسجد في المحمِل إذا أمكنه.
وروى عنه جعفر بن محمد: السجود على المرفقة إذا كان في المحمِل، وربما أسند على البعير، ولكن يومئ ويجعل السجود أخفض من الركوع.
الصحيح أن الإنسان إذا أراد أن يصلي على الدابة لا يشترط أبدًا أنه يتجه إلى القبلة في بداية الصلاة في التكبير أو غيره.
وهنا نقرأ باختصار فصل في هديه ﷺ في قراءة القرآن في الكتاب الذي معنا أيضًا، تتمة للدرس إن شاء الله تعالى.
فصل في هديه ﷺ في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه وتحسين صوته به، وتوابع ذلك.
كان له ﷺ حزب يقرؤه ولا يُخِل به، وكانت قراءته ﷺ ترتيلًا لا هذًّا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، وكان ﷺ يقطع قراءته آية آية، وكان ﷺ يمد عند حروف المد، فيمد {الرحمن}، ويمد {الرحيم}.
وكان ﷺ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وربما كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من هَمزِه ونفْخِه ونفْثِه».
وكان تعوُّذه ﷺ قبل القراءة، ونحن نعلم أن النفخ الكبر والنفث أي: السحر والهمز، وهذه الأشياء.
وكان ﷺ يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود فقرأ عليه وهو يسمع، وخشِيَ ﷺ لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه، والحديث في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود، قال النبي ﷺ: «اقرأ عليَّ القرآن» قلتُ: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: «فإني أحبُّ أن أسمعَه من غيري»، فقرأ من أول النساء إلى أن وصل إلى قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا} [النساء:41]، فقال النبي ﷺ: «حَسبُك الآنَ يا ابن مسعود» وذلك يقول له: كفى. ولا يقول له صدقك.
قال ابن مسعود: فنظرت إلى النبي ﷺ فإذا عيناه تذرفان، أي: تدمعان، ﷺ.
وكان ﷺ يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحدثًا، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة.

وقد تكلمنا عن ذلك بما يغني عن الإعادة الآن، وأن الرأي الصحيح كما في «تمام المنة في التعليق على فقه السنة» أن الحائض والنفساء يجوز للواحدة منهما أن تقرأ القرآن وأن تمس المصحف، وأن تجلس في المسجد، على رأي حتى شيخ الإسلام، وعلى رأي «تمام المنة» للألباني حتى الجنب؛ لأن الحديث الوارد في منع قراءة القرآن للجنب وهذه الأشياء كلها ضعيفة.
لكن هذا من ناحية الفتوى، أما من ناحية التقوى فالمسلم يحافظ على الوضوء، لا عند قراءة القرآن فحسب، وإنما لا يخرج من بيته إلا متوضئًا، فإذا نقض وضوءه في الطريق يذهب إلى أقرب مكان أو أقرب مسجد فيه ماء يتوضأ ثم يكمل الطريق مرة أخرى، فلا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
وكان ﷺ يتغنَّى به ويُرجِّع صوته به أحيانًا كما رجَّع يوم الفتح في قراءته: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا} وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجيعه آ، آ، آ، ثلاث مرات. ذكره البخاري.
وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»، وصححه ابن حبان، وإسناده صحيح، وقوله ﷺ: «ليس منا من لم يتغَنَّ بالقرآن»، والمقصود بالتغني أي: الترتيل، علِمْتَ أن هذا الترجيع منه ﷺ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهزِّ الناقة له؛ فإن هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارًا؛ ليؤتَسى به وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: كان يُرجِّع في قراءته. فنُسِب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يُسمى ترجيعًا.
وقد استمع ﷺ ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك، قال [لما قال النبي ﷺ لأبي موسى: «لقد استمعتُ لقراءتك البارحةَ» ماذا قال أبو موسى؟ أي: “يا رسول الله، لو كنتُ أعلم أنك تسمعُه لحبَّرتُه لك تحبيرًا” أي: حسَّنته وزيَّنته بصوتي تزيينًا.
والحديث في صحيح الجامع كما نعلم.
قال الحافظ في الفتح: ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم أن أبا موسى قام ليلة يصلي فسمع أزواج النبي ﷺ صوته، فكان حلو الصوت فقُمْنَ يستمِعْن، فلما أصبح قيل له، قال: “لو علمتُ لحبَّرتُه لهنَّ تحبيرًا”. إلى آخره.
وروى أبو داود في سننه عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعتُ ابن أبي مليكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لُبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجل رثُّ الهيئةِ، فسمعته يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ليس مِنَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» قال: فقلتُ لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيتَ إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسِّنه ما استطاع.
ولذلك يا إخواني يعني النبي ﷺ يذكر أن أحسن الناس قراءة للقرآن مَن إذا سمعته يقرأ كأنما يخشى الله.
قلتُ: لا بد من كشف هذه المسألة وذكر اختلاف الناس فيها، واحتجاج كل فريق، ونحن لا نأتي بالأدلة وإنما نأتي بالخلاصة إن شاء الله، فالصواب في ذلك بحول الله تبارك وتعالى ومعونته، قالت طائفة: تُكره قراءة الألحان.
فما حكم القراءة التي تأتي في المذياع من الثامنة إلى الثامنة والنصف في المحطات العادية وليس محطة القرآن الكريم، الذي يقرءون فيها بالتمطيط وهكذا؟
فالخلاصة: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد سئل الإمام أحمد عن هذه القراءة بالتمطيط؟ فقال للرجل: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أيهما أفضل: يا محمـــد، أو يا موحمد ممدودًا؟!
وكذلك أيضًا الأذان.

وفصل النزاع -كما يقول ابن القيم رحمه الله- أن يقال: التطريب والتغني على وجهين، الأول ما اقتضه الطبيعة وسمحت به من غير تكلُّف ولا تمرين ولا تعليم، فإذا خُلي وطبعه فاسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعته بصوت بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ: لو علمتُ أنك تسمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا. والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك لنفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة. إلى آخره، هذا هو المحمود.
الوجه الثاني ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس من الطبع السماحة به، مثل قراءة المآتم وهكذا، هذا الذي أتى النهي عنه، وكما نعلم يقول الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}.
كان هذا من كتاب «زاد المعاد» لابن القيم رحمه الله تعالى، ولذلك فالمانعون قالوا -وهذا أيضًا في «صحيح الجامع»- أن النبي ﷺ ذكر شرائط الساعة، منها «أن يتخذ القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم، ما يقدمونه إلا ليغنِّيهم غناءً»، وهذا الحديث حديث صحيح أخرجه أحمد.
في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نكمل بقية الأحكام بفضل الله تعالى.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوراث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا مَن لا يرحمنا، آمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

هذه المواد من أراد أن ينشرها فلينشرها دون إذن وليتق الله فيها.