أحكام الاعتكاف – مفرغ

التصنيفات: الفقه, دروس سلاسل, دروس مفرغة, رمضان, فقه عدد الزيارات : 1211

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ﷺ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70- 71].
أما بعد،
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد،
ما زلنا بفضل الله تعالى مع أحكام الصيام، ومع كتاب فقه السنة للشيخ الجليل سيد سابق رحمه الله تعالى، بتحقيق الألباني رحمه الله تعالى، ومع الدرس السابع، ومع الاعتكاف؛ حيث إن الدرس السادس قد تكلمنا عنه في قيام رمضان مع صلاة الجماعة، تكلمنا عنه في قيام رمضان عند الكلام عن قيام الليل، وانتهينا هناك إلى أن قيام رمضان سنة.

وخلاصة القول: إن قيام رمضان لا يجوز فيه الاختيار، وإنما يجوز فيه ما قاله النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» كما في «تمام المنة» عند الكلام عن ابن خزيمة، ونحن نعلم ما روته عائشة رضي الله عنها في عدد ركعات رمضان، كما جاء في الصحيح.
روى الجماعة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
وهناك رواية في صحيح البخاري قد علمناها في قيام الليل: ثلاثة عشر ركعة، المقصود بها ركعتا الفجر أيضًا، أي: سُنة الفجر.
فهنا ما زاد النبي ﷺ في رمضان ولا غير رمضان عن إحدى عشرة ركعة، “وكان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر شدَّ المِئزر، وأيقظَ أهلَه، وأحيا الليل”، هنا كان يطيل الصلاة، لكنه ما كان يزيد في عدد الركعات.
وهنا شيء صار الآن في كثير من المساجد، وهو ما يسمى بصلاة التهجد، وقد جعلوا لها مصحفًا الآن يسمى “مصحف التهجد”، والصلاة في رمضان وفي غير رمضان على حد سواء، والعبرة بما جاء في الكتاب والسنة.
فعندما تدخل العشر الأواخر من رمضان كان النبي ﷺ يزيد في عدد الآيات لا في عدد الركعات، حتى وإن كان هذا الأمر موجودًا في الحرمين إلا أن مكة والمدينة ليستا بحُجة بعد انقراض عصر الصحابة، والنبي ﷺ يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقد بينَّا في قيام رمضان أن مَن أراد السنة يصلي وراء الإمام ثماني ركعات ويوتر، لكن كما قال ابن القيم في «زاد المعاد»، ونحن لا نبحث في هذا الكتاب في بيان ما يجوز وما لا يجوز، وإنما نبحث في هدي النبي ﷺ الذي اختاره لنفسه، فالذي اختاره النبي ﷺ أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة ﷺ.
وأما الأقوال المنسوبة للخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، فقد ردَّ عليها الألباني في «تمام المنة» وضعَّف هذه الأقوال جمعيها، وأنه لم يرد عنهم جميعًا ذلك، وإنما ورد خلاف ذلك عندما أمر عمرُ أبيًّا رضي الله عنه أن يصلي بالناس وجمعهم على قارئ واحد، وهكذا.
وبعد ذلك نسأل الله تعالى أن ييسِّر لنا درسًا قبل رمضان، نتكلم فيه عن دعاء ختم القرآن المشهور بين الناس، وهذا مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة ولا من الآثار، ومن أراد أن يقرأ ذلك بالتفصيل، فليقرأ في كتاب «مرويات دعاء ختم القرآن» للشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد، أثابه الله تعالى، من كبار العلماء في الحجاز.
وهذا الكتاب يعني كتب فيه ابن عثيمين رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد فقد قرأت الرسالة التي كتبها أخونا الشيخ بكر أبو زيد حول الدعاء عند ختم كتاب الله العزيز، فألفيته قد أجاد فيها وأفاد في بحث علمي رصين، وما ذكره من أنه لا دليل على الدعاء عند ختم القرآن الكريم في الصلاة، فإن الأمر عندي كما قال، فجزاه الله خيرًا، وجعلنا وإياه من الهداة الصالحين المصلحين، إنه جواد كريم، قال ذلك كاتبه: محمد بن صالح العثيمين.
إنما كل الذي ورد -كما سنبين ذلك إن شاء الله في درس مستقل- أن أنسًا كان يفعل ذلك في بيته مع أهله، أما في المسجد فلم يرد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أي أحد قط أنهم كانوا يجمعون في التراويح هكذا أو في الصلوات، ويختمون القرآن بهذه الكيفية، وسنُبين ذلك إن شاء الله تعالى بالتفصيل في درس مستقل.
نأتي للكلام عن الاعتكاف..

الاعتكاف: معناه لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيرًا كان أو شرًّا، قال الله تعالى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُون} [الأنبياء: 52]. أي: مقيمون متعبدون لها، والمقصود به هنا لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله تعالى.
مشروعيته
وقد أجمع العلماء على أنه -أي: الاعتكاف – مشروع، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا. رواه البخاري.
وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه وبعده ﷺ، وهو وإن كان قربى إلا أنه لم يرد في فضله حديث صحيح، قال أبو داود: قلت لأحمد رحمه الله: تعرف في فضل الاعتكاف شيئًا؟ قال: لا، إلا شيئًا ضعيفًا.
المقصود بذلك، يعني مثلًا لم يرد في أن من اعتكف له ثواب كذا وكذا، وإن كان إجمالًا أن من اعتكف له ثواب عظيم.

أقسام الاعتكاف
الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وواجب، فالمسنون ما تطوَّع به المسلم تقربًا إلى الله تعالى، وطلبًا لثوابه، واقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويتأكد ذلك في العشر الأواخر من رمضان؛ لما تقدم.
والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه، إما بالنذر المطلق، مثل أن يقول: لله عليَّ أن أعتكف كذا، أو بالنذر المعلَّق كـ قوله: إن شفى الله مريضي لأعتكفنَّ كذا.
وهذا النذر المعلَّق نذر مكروه؛ لأن النذر منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مكروه، هذا بالإضافة إلى ذكرناه من قبل، وقد ذكرنا رأي ابن تيمية في النذر بصفة عامة، وفصلنا في المسألة من قبل.
النذر المكروه يقول: إن شفى الله مريضي سأصوم، إذا لم يشفِ الله مريضك فلن تصوم، إذن هذه عبادة معلَّقة، وهذا مكروه، ومع ذلك لا بد أن توفي به.
أما النذر السليم بعد أن يتم شفاء مريضك، تقول: يا ربِّ، لأنك شفيتني، أو لأنك شفيتَ مريضي سأصوم –مثلًا- ثلاثة أيام، أو سأذبح كذا، في هذه الحالة تأكدت أن النذر سيتم؛ لأنه لم يعد معلقًا الآن.
ومع ذلك فإن ابن تيمية رحمه الله يرى أن النذر بصفة عامة لا يستحب؛ لأن الإنسان قد يعجز عن النذر، إن كان غنيًّا الآن فإنه قد يفتقر، وإذا كان صحيحًا الآن، فإنه قد يمرض.
ولكن الحمد لله تعالى الذي قال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7] وكذلك الحمد لله الذي وفقنا للجمع بين الرأيين.
فإذا كان النذر بعد تمام العمل، كالشفاء مثلًا، ثم كان نذرًا ليس فيه إرهاق للناذر من طول المدة أو كثرة المال، وألا يكون دائمًا في هذه الحالة، يكون النذر مستحبًّا ويتفق مع قول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7].
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «من نذَر أن يُطيعَ الله تعالى فليُطعْه».
وفيه أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إني نذرتُ أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال: «أوفِ بنذرك».

زمانه
الاعتكاف الواجب يؤدَّى حسب ما نذره وسماه الناذر، فإن نذر الاعتكاف يومًا أو أكثر، وجب الوفاء بما نذر.
والاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد، فهو يتحقق بالمُكث في المسجد مع نية الاعتكاف، طال الوقت أو كثر، ويُثاب ما بقي في المسجد، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدَّد النية إن قصد الاعتكاف، فعن يعلى بن أمية قال: إني لأمكثُ في المسجد ساعةً ما أمكث إلا لأعتكف. وقال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير، فهو معتكف وإلا فلا.
وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء قبل قضاء المدة التي نواها، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، وأنه أراد مرةً أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فأمر ببنائه فضُرِب -الخباء يعني- قالت عائشة: فلما رأيتُ ذلك أمرت ببنائي فضُرب، وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه فضُرب، فلما صلى الفجر ﷺ نظر إلى الأبنية، فقال: «ما هذه؟ آلبرَّ تُرِدْنَ؟» أي: الطاعة تُردْن، قالت: فأمر ببنائه فقُوِّض.
معنى أمر ببنائه ﷺ فقُوِّض، يعني أُزيل وهُدم، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقُوِّضت، ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر الأُوَل، يعني من شوال. متفق عليه.
فأمر رسول الله ﷺ نساءَه بتقويض أبنيتهنَّ، إذن يكون التشكيل الصحيح بنصب (نساءه) فالنبي فاعل وهو الذي أمرَ نساءه أي أزواجه، وأمر أزواجَه بأبنيتهن فقُوِّضت.
ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر الأُول، يعني من شوال.
فأمر رسول الله ﷺ نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته منهن، دليل على قطعه بعد الشروع فيه، وفي الحديث أن للرجل أن يمنع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه، وإليه ذهب عامة العلماء، واختلف فيما لو أذِنَ لها، هل له منعها بعد ذلك؟
فعند الشافعي وأحمد وداود له منعها وإخراجها من اعتكاف التطوع، وهنا تعليقًا على هذا الحديث أن النبي ﷺ أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فأمر ببنائه فضُرِب، في هذا دليل على اتخاذ المعتكف لنفسه موضعًا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيِّق على الناس.
وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه؛ لئلا يضيق على غيره، وليكون أخلى له وأكمل لانفراده.
ولكن ما الحكمة في أن النبي ﷺ أمر نساءه بتقويض أبنيتهن، في الهامش هنا: في «شرح مسلم»: سبب إنكاره ﷺ في أنه خاف أن يكنَّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القُرب منه لغَيرتهن عليه ﷺ، فكره ملازمتهنَّ المسجدَ مع أنه يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون، وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهنَّ، فيتبذَّلن بذلك، أو لأنه ﷺ رآهنَّ عنده في المسجد وهو في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه.
فالنبي ﷺ وفق هذا الرأي قد ترك البيت حتى يتفرغ للعبادة، وحتى يشدَّ مِئرزه، وحتى كذا، وحتى كذا، فلما وجدهن أتيْنَ إلى المسجد، إذن فقد ضاعت الحكمة من الاعتكاف.
وذهب المهم من مقصود الاعتكاف، وهو التخلِّي عن الأزواج ومتعلَّقات الدنيا وشبه ذلك، أو لأنهن رضي الله عنهن ضيَّقنَ المسجد بأبنيتهن، وعلى العموم لا مانع من أن تجتمع هذه الثلاثة.
أن النبي ﷺ خاف يعني أن يكن قد اعتكفن غَيرة عليه ﷺ، وفي نفس الوقت أن النبي ﷺ تركهن في البيت ووجدهن في المسجد فكأنه لم يعتكف، وأيضًا لأنهن ضيَّقن المسجد، يعني لا مانع من اجتماع هذه الأسباب الثلاثة.

شروط الاعتكاف
يُشترط في الاعتكاف أن يكون المعتكِف مسلمًا مميزًا طاهرًا من الجنابة والحيض والنفاس، وقد تكلمنا في باب الطهارة بالتفصيل عن جواز دخول المسلم المسجد وهو جنب، وفق رأي الألباني في تمام المنة، وأيضًا يجوز للحائض أن تدخل المسجد وأن تجلس وأن تمسَّ المصحف وأن تقرأه، وعلمنا أن الأدلة مع من أجاز، أما من لم يجز فلا دليل صحيح على ذلك.
والدين إنما يؤخذ بالنقل لا بالعقل، وحديث: «لا أُحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجنب» ضعيف.
والكلام الذي ينطبق على الحائض ينطبق على النفساء، وينطبق على الجنب، كما بينا ذلك عندما كنا نتكلم عن الوضوء والغسل.
يُشترط في المعتكف أن يكون مسلمًا مميزًا طاهرًا من الجنابة والحيض والنفاس، فلا يصحُّ من كافر ولا صغير غير مميز، ولا جنُب، ولا حائض، ولا نفساء.

أركانه
حقيقة الاعتكاف: المُكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف.
إذن أهم شرطين في الاعتكاف؛ أولًا: نية الاعتكاف، ثانيًا: أن يكون في المسجد، فلا يأتي إنسان ويجلس في قرية ونقول إنه معتكف، أو يجلس في بيت ليس فيه أحد ونقول إنه معتكف، هذا خطأ، بل الصحيح ألا يكون إلا في المسجد.
أما وجوب النية فلقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ولقول الرسول ﷺ: «إنما الأعمال بالنياتِ وإنما لكلِّ امرئ ما نوى». متفق عليه.
وأما أن المسجد لا بد منه؛ فلقول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].
ووجه الاستدلال أنه لو صحَّ الاعتكاف في غير المسجد لم يخصَّ تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد؛ لأنها منافية للاعتكاف، فعُلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد.
ما رأي الفقهاء في المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف؟
بادئ ذي بَدء قبل أن نتكلم من فقه السنة في أن المسجد الجامع أو غير جامع، نشير إلى نقطة، وهي أن كل إنسان يؤخذ منه ويُرد إلا صاحب هذا المقام، كما أشار الإمام مالك إلى النبي ﷺ، فما من مخلوق من المخلوقين إلا ويؤخذ من كلامه ويرد، وكما قيل: يُعرَف الرجالُ بالحقِّ لا الحقُّ بالرجال.
وهنا أتى الألباني بحديث: «لا اعتكافَ إلا في المساجد الثلاثة» يعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وهذا مرة ضعَّفه ومرة صحَّحه. إلى آخره.
والصحيح أن هذا الحديث ضعيف، ضعَّفه كثير من العلماء، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى «نيل الأوطار» للشوكاني.
ثانيًا: قال البخاري: باب الاعتكاف في المساجد كلها؛ لقول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].
بالطبع لو أن الحديث صحيح ما نُحكِّم العقل أبدًا.
والسؤال الآن: أيهما أفضل الحج أم الاعتكاف؟
بالطبع الحج، نسأل سؤالا هنا: لو أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط، فإن الناس يتكلَّفون تكاليف الحج حتى يذهبوا إلى بلد الله الحرام، ثانيًا: فإنهم يحجزون الاعتكاف لمدة ستين عامًا، يعني قد يعقد الإنسان أنه عندما يولد يحجز أنه سيعتكف في المسجد الحرام ثم يموت قبل أن يأتيه الدور حتى يعتكف، لأن المسجد لا يسع كل المسلمين.
فإذا كان هذا الاعتكاف بهذه الأهمية وهذا الثواب، فهل يزيد عن ثواب الحج؟ الصحيح أنه لا يزيد عن ثواب الحج، إذن معنى ذلك أن الذي يريد أن يعتكف قد يرمي القرعة وتأتيه ولكنه لو فعلها في الاعتكاف فلن تأتيه، لأن المسجد لا يسع قرية كاملة، ولا نقول دويلة.
إذن لا بد لكل إنسان عندما يستمع لأي كلام أن يعرضه على الشرع، ثم نزن الأعمال على الكتاب والسنة، فكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد.
اختلف الفقهاء في المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه، فذهب أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس، وتقام فيه الجماعة.
وذهب مالك والشافعي وداود إلى أنه يصح في كل مسجد؛ لأنه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شيء صحيح.
يعني لا يشترط أن تُقام في الجماعة، يعني لا يشترط أن تقام في الجمعة بمعنى أصح.
فالرأي الأول، طالما أن فيه الصلوات الخمس ولو لم تكن فيه الجمعة.
أما مالك والشافعي فذهب إلى أنه يصح في كل مسجد لأنه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شيء صحيح.
وقال الشافعية: الأفضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اعتكف في المسجد الجامع، ولأن الجماعة في صلواته أكثر، ولا يعتكف في غيره إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة حتى لا تفوته.
وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة إن كان بابها في المسجد أو صحنه، ويصعد على ظهر المسجد لأن كل ذلك من المسجد.
فإن كان باب المئذنة خارج المسجد بطل اعتكافه إن تعمَّد ذلك.
ورحبة المسجد منه عند الحنفية والشافعية
وعن مالك ورواية عن أحمد أنها ليست منه، فليس للاعتكاف أن يخرج إليها.
وجمهور العلماء على أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها؛ لأن مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد، ولا خلاف في جواز بيعه، وقد صحَّ أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتكفْن في المسجد النبوي.

هل يشترط الصوم للاعتكاف؟
المعتكف إن صام فحسن، وإن لم يصُم فلا شيء عليه، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: يا رسول الله ﷺ إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: «أوفِ بنذرك». ففي أمر رسول الله ﷺ له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطًا في صحة الاعتكاف؛ إذ إنه لا يصح الصيام في الليل.
وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل، قال: كان على امرأة من أهلي اعتكاف، فسألتُ عمر بن عبد العزيز، فقال: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها. فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي ﷺ؟ -يعني هذا الكلام- قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. قال: وأظنه قال: عن عثمان؟ قال: لا. فخرجتُ من عنده، فلقِيتُ عطاء وطاوسًا، فسألتهما، فقال طاوس: كان فلان لا يرى عليها صيامًا إلا أن تجعله على نفسها، وقال عطاء: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها.
قال الخطابي: وقد اختلف الناس في هذا.
يعني نفس الحكم ونفس الخلاف، والصحيح -والله أعلم- أنه لا يشترط الصيام؛ لماذا؟
لعل إنسانًا كان في المسجد يعتكف العشر الأواخر ثم مرض في يوم أو يومين وما استطاع، في هذه الحالة لا يشترط أن يكون معتكفًا بصوم؛ لأن المرض كما قال النبي ﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له صالح ما كان يفعل وهو صحيح مقيم» يعني هذا استئناس فقط، لكن ليس بحجة.
إذن هناك خلاف بين العلماء في صوم المعتكف، هناك مَن أجاز وهناك من لم يُجز الاعتكاف إلا بصيام.

وقت دخول المعتكف والخروج منه
تقدم أن الاعتكاف المندوب -أي المستحب- ليس له وقت محدد، فمتى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله تعالى بالمكث فيه صار معتكفًا حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس.
يدخل معتكفه قبل غروب الشمس.
فعند البخاري عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنِ اعتكَف معي فليعتكِفِ العشرَ الأواخرَ» والعشر اسم لعدد الليالي، وأول الليالي العشر، ليلة إحدى وعشرين، أو ليلة العشرين، يعني يمكن أن تعتكف في ليلة الحادي والعشرين، ويمكن أن تعتكف ليلة العشرين، ونحن نعلم أن النبي ﷺ يقول – كما في الصحيح –: «الشهر تسعة وعشرون يومًا».
يعني الأصل في الأشهر العربية تكون تسعة وعشرين يومًا، وتكون ثلاثين استثناءً، وما رُوي أنه ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، كما في صحيح الجامع، فمعنماه أنه كأنه يدخل المكان الذي أعدَّه للاعتكاف في المسجد، يعني كان النبي ﷺ في الأوقات العادية يصلي الفجر ثم يجلس متربعًا في مكانه يذكر الله تعالى إلى أن تطلع الشمس.
وينبغي أن نفرق بين شيئين: الأول ورد حديث في الشمائل، والثاني حديث في فضل صلاة الضحى، النبي ﷺ يقول: «مَن صلى الفجر ثم مكثَ يذكرُ الله حتى تطلع الشمسُ فصلى ركعتين، كان له كأجر حجٍّ وعمرةٍ تامة تامة تامة».
هذا الحديث لم يذكر في مصلاه، بل يجلس في أي مكان، أما الحديث في شمائل النبي ﷺ: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر مكث في مصلاه.
فمن أراد الحج والعمرة له أن يجلس في أي مكان في المسجد، ومن أراد الحج والعمرة مع متابعة النبي ﷺ فعليه أن يجلس في مصلاه الذي صلى فيه الفجر.
فما رُوي من أنه ﷺ -كما صح- كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، فمعناه أنه كان يدخل في المكان الذي أعدَّه للاعتكاف في المسجد، لا أنه يجلس مكانه بعد الصلاة، أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فقد كان أول الليل.
ومن أعتكف العشر الأواخر من رمضان فإنه يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر عند أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وأحمد: إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه، والمستحب عندهما أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد.
وروى الأثرم بإسناده عن أبي أيوب، عن أبي قلابة، أنه كان يَبِيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو -أي في الصباح- كما هو في العيد، وكان -يعني في اعتكافه- لا يُلقى إليه حصير ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم، قال: فأتيتُه في يوم الفطر، فإذا في حجره جويرية مزيَّنة، ما ظننتها إلا بعض بناته، فإذا هي أمَة له فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد.
وقال إبراهيم: كان يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد.
ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة، أو أراد ذلك تطوعًا؛ فإنه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الشمس -يعني يدخل قبل أن تطلع الشمس- ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس، سواء أكان ذلك في رمضان أم في غيره.
قال ابن حزم: لأن مبدأ الليل إثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر وإتمامه بغروب الشمس، وليس على أحد إلا ما نذر أو نوى، فإن نذر اعتكاف شهر أو أراده تطوعًا، فمبدأ الشهر من أول ليلة منه، فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر، سواء من رمضان وغيره.
السؤال الآن: ما الذي يُستحب للمعتكف وما الذي يكره له؟
يُستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات، ويُشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار، والصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ، والدعاء ونحو ذلك من الطاعات التي تُقرب إلى الله تعالى، وتصل المرء بخالقه جل ذكره.
ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث، وقراءة سير الأنبياء والصالحين، وغيرها من كتب الفقه والدين، ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد ائتساءً بالنبي ﷺ.
تنبيه
وننبه هنا إلى أن هناك كثيرًا من المساجد صارت تعطي دروسًا خصوصية في صحن المسجد الذي يقول الله تعالى فيه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ} [النور: 36] فصاروا يدرِّسون اللغة الإنجليزية والفرنسية والرياضيات والكيمياء، وهذا واللهِ شيء ينافي الإسلام تمامًا، فإن هذه السارية من المسجد تذكِّرك بالآية الفلانية، وبالحديث الفلاني، إذا ضاقت عليك الدنيا فإنك تذهب إلى المسجد فتجد أن المسجد هو كهفك، أما أن يكون المسجد تدرس فيه الدروس الخصوصية! بل وصل الأمر للأسف إلى المسجد الحرام، بيت الله المحرم، فصار بعض الناس يعطون الدروس الخصوصية كالرياضيات والكيمياء في المسجد، يعطون هذه الدروس في أفضل المساجد على وجه الأرض، ولم يعد هناك تعظيم لشعائر الله {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج:32].
لكن لو كان درس في اللغة العربية في البلاغة في هذه العلوم مثلا فلا يمنع، ولكن بشرط عدم مزاولة البيع والشراء في المسجد، ماذا يقول النبي ﷺ؟ «إذا رأيتم من يُنشِد ضالتَه في المسجد فقولوا له: لا ردَّها الله عليك، وإذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا له: لا أربحَ الله تجارتك» إذن المساجد عمومًا لا بد أن تُنزَّه عن هذا، إنما في غير بيت الله الحرام والمسجد النبوي.. إلى آخره.
في المساجد الأخرى، يمكن أن يُبنى مبنى خاصًّا للدروس وهكذا، لكن في المسجد الذي هو مكان الآيات والأحاديث فهذا شيء -سبحان الله- يخالف الفطرة السليمة.

ويُكره له -أي المعتكف- أن يُشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، لما رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي بصرة أن النبي ﷺ قال: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». صحيح كما في «صحيح الترمذي».
ويُكره له الإمساك عن الكلام ظنًّا منه أن ذلك مما يقرِّب إلى الله عز وجل، فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي ﷺ: «مُرْه فليتكلمْ وليستظلَّ وليقعدْ؛ وليُتمَّ صومه».
وروى أبو داود عن علي  أن النبي ﷺ قال: «لا يُتْم بعد احتلام، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل». صحيح كما في «صحيح أبي داود».
هنا لا يُسمى من فقَد أباه بعد بلوغه، والصمات، أي: السكوت، يعني الإنسان إذا بلغ لا يسمى يتيمًا.

ما يباح للمعتكف؟
يباح للمعتكف ما يأتي:
أولًا: خروجه من معتكَفه لتوديع أهله، قالت صفية رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثتُه ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبَني -أي يردها لبيتها- وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: «على رِسلِكما إنها صفية بنت حُيَي» -يعني أم المؤمنين- قالا: سبحان الله يا رسول الله -يعني أنحن نشك فيك! قال ﷺ: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيتُ أن يقذِفَ في قلوبكما شيئًا، أو قال: شرًّا». رواه البخاري ومسلم.
هنا قال الخطابي: وفيه أنه خرج من المسجد ﷺ معها ليبلغَها منزلها، وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب، وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف.
ولما قال النبي ﷺ لهما: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم -يعني من العروق-، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا أو قال: شرًّا».
حُكي عن الشافعي أن ذلك كان منه ﷺ شفقةً عليهما؛ لأنهما لو ظنَّا به ظن سوءٍ كفرا، فبادر إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا.
وفي «تاريخ ابن عساكر» عن إبراهيم بن محمد، قال: كنا في مجلس ابن عُيينة والشافعي حاضر حدَّث بهذا الحديث، وقال الشافعي: ما فقهه؟ فقال: إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء، لا أن النبي ﷺ اتهمها وهو أمين الله في أرضه. فقال ابن عُيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كلام نحبه.
إذن أول شيء يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لتوديع أهله.
ثانيًا: ترجيل شعره، يعني تسريحه، وحلق رأسه وتقليم أظفاره وتنظيف البدن من الشَّعث والدرن، ولبس أحسن الثياب والتطيب بالطيب.
قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكون معتكفًا في المسجد فيناولني رأسه من خارج الحجرة فأغسل رأسه. وقال مسدد: فأرجِّله وأنا حائض. يعني تصلحه بالمشط. رواه البخاري ومسلم.
هنا يستفاد من ذلك أن الإنسان إذا أخرج رأسَه من المسجد فهو ما زال في المسجد، ولكنه لو خرج برجليه فقد خرج من المسجد، وعليه أن يصلي تحية المسجد.
ثالثًا: الخروج للحاجة التي لا بد منها، قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف ﷺ يُدني إليَّ رأسه فأُرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، يعني لقضاء الحاجة. رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول؛ لأن هذا مما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد.
مثلًا في الشتاء، يكون الماء باردًا ولا تستطيع أن تسخن الماء، ولا يوجد ماء مسخن في المسجد، فلو كان البيت قريبًا، فإنك تستطيع أن تذهب فتغتسل بالماء الساخن وتعود.
وفي معناه: الحاجة إلى المأكول والمشروب، إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه، وإن بغتَه القيء، فله أن يخرج ليقيء خارج المسجد، وكل ما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل. انتهى.
ومثل هذا الخروج للغسل من الجنابة وتطهير البدن والثوب من النجاسة.

هناك نقطة: وهي أنه في جُل المساجد يضعون صندوقًا للزكاة، فيقال هذا عليه مبلغ كذا من الجنيهات، وهذا عليه مبلغ كذا! لكن الأفضل ألا يكون الأمر هكذا، نحن بفضل الله تعالى لم نفعل هذا في أي موضع في الاعتكاف، وحتى حين كنا في عُمرة منذ حوالي أكثر من عشرين عامًا، وجلسنا مدة ما كنا نفعل هذا والحمد لله، فكنا نأتي بصندوق يوضع في المسجد، ويكون بعيدًا عن أعين المصلين؛ حتى لا يضع المصلون زكاة أموالهم فيه.
صندوق في المسجد، وواحد يقول: من كان ماله حرام فلا يضع المال في الصندوق، ومن ليس عنده مال فلا يضع مالًا في الصندوق، ومن كان ماله فيه شبهة فلا يضع مال في الصندوق، ومن كان عنده مال ولا يريد أن يضع فلا يضع مالًا في الصندوق، في هذه الحالة، فتجد هذا يضع كثيرًا وهذا يضع قليلًا، ولو أن إنسانًا فقيرًا يعني ما عنده مال يذهب ويعتكف دون أن يُمس بإحراج، هذا هو المفروض، لكن كل واحد، كل واحد كذا، كم في الزوايا من خبايا.
روى سعيد بن منصور، قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليحضر الجنازة وليعُد المريض وليأتِ أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم. يعني واقفًا.
وأعان رضي الله عنه ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه أن يشتري بهما خادمًا، فقال: إني كنت معتكفًا. فقال علي: وما عليك إذا خرجت إلى السوق فابتعت؟ يعني اشتريت.
وعن قتادة أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس.

وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال -وهن له وإن لم يشترط-: عيادة المريض، ولا يدخل سقفًا، ويأتي الجمعة، ويشهد الجنازة، ويخرج إلى الحاجة. قال: ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة.
والسقيفة عبارة عن شارع مسدود من أعلى والناس يمرون من أسفل، أو قدر بيت أو بيتين، أو هكذا.
قال الخطابي: وقالت طائفة: للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض ويشهد الجنازة. رُوي ذلك عن علي رضي الله عنه، ووافقه سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي.
وروى أبو داود عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يمر بالمريض وهو معتكف. وهذا ضعيف كما في ضعيف أبي داود.
وما رُوي عنها أن السُّنة على المعتكف ألا يعود مريضًا. –وهو حسن صحيح كما في صحيح أبي داود- فمعناه أن يخرج من معتكفه قاصدًا عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأل غير معرج عليه.
رابعًا: وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه، مع المحافظة على نظافته وصيانته، وله أن يعقد العقود فيه كعقد النكاح وعقد البيع والشراء ونحو ذلك.
وأما البيع والشراء ففيه تفصيل ليس مجاله الآن.

ما يبطل الاعتكاف
يبطل الاعتكاف بفعل شيء مما يأتي:
أولًا: الخروج من المسجد لغير حاجة عمدًا وإن قلَّ، فإنه يفوِّت المكث فيه، وهو ركن من أركانه.
ثانيًا: الردة، لقول الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65].
ثالثًا ورابعًا وخامسًا: ذهاب العقل بجنون أو سكر، والحيض والنفاس لفوات شرط التميز والطهارة.
وقد قلنا إن الحيض والنفاس فيه خلاف.
سادسًا: الوطء، أي: الجماع؛ لقول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]. ولا بأس باللمس بدون شهوة، فقد كانت إحدى نسائه ﷺ ترجله وهو معتكف، أما القبلة واللمس بشهوة، فقد قال أبو حنيفة وأحمد: قد أساء، لأنه قد أتى بما يحرم عليه ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل.
وقال مالك : يفسد اعتكافه؛ لأنه مباشرة محرمة فتفسد كما لو أنزل.
وعن الشافعي روايتان كالمذهبين.

قضاء الاعتكاف
من شرع في الاعتكاف متطوعًا ثم قطعه استُحب له قضاؤه. وقيل: يجب.
قال الترمذي: واختلف أهل العلم في المعتكِف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتم على ما نوى.
يعني مثلًا كان قد نوى أن يعتكف عشرة أيام، بعد ثلاثة أيام قطع الاعتكاف.
فقال مالك: إذا قطع اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتج بالحديث أن النبي ﷺ خرج من اعتكافه فاعتكف عشرًا من شوال. وقال الشافعي: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف، أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعًا، فخرج فليس عليه قضاء، إلا أن يحب ذلك اختيارًا منه.
ولكن هذا من قبيل قوله ﷺ –وهو صحيح–: «إن أخاك قد تكلف له، أفطر وصُم يومًا مكانه إن شئت»، وهذا لا يجب، وإنما قال: «أفطر وصم يومًا مكانه إن شئت» يعني يستحب ذلك أنك تقضي ذلك، على حسب هذا الرأي.
قال الشافعي: وكل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلتَ فيه وخرجتَ منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة.
أما من نذر أن يعتكف يومًا أو أيامًا ثم شرع فيه وأفسده، وجب عليه قضاؤه متى وجب عليه فاتفاق الأئمة، فإن مات قبل أن يقضيه لا يقضى عنه. وعن أحمد: أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه.
روى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أمية قال: سمعتُ عبد الله بن عبد الله بن عتبة، يقول: إن أُمَّنا ماتت وعليها اعتكاف، فسألتُ ابن عباس؟ فقال: اعتكف عنها وصُم.
وروى سعيد بن منصور، أن عائشة اعتكفت عن أخيها بعدما مات.

المعتكف يلزم مكانًا من المسجد، ويُنصب فيه الخيمة
روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، قال نافع: وقد آراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ. متفق عليه، وهو في صحيح ابن ماجه.
أما حديث أنه يطرح له فراش أو يوضع له سرير.. فهذا حديث ضعيف ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه».
وأيضًا عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير. رواه مسلم.
سُدَّتها: أي: بابها، وإنما وضع الحصير على بابها حتى لا ينظر فيها أحد.
وعندنا في الريف، كانت الجرة يؤتى لها بشيء، فالمقصود بالسُّدَّة هنا كما نعلم مكان الاختباء كالبيت، لا يصح لك أن تدخل على إنسان إلا بإذنه، وتستأذن ثلاث مرات بصوت منخفض، فإن أذن لك وإلا ترجع.

أحكام المكان الذي تعتكف فيه
طالما أنك اتخذت خباءً فهذا المكان تنطبق عليه أحكام دخول البيت، ربما يكون المعتكف داخل خبائه يغير ملابسه أو شيئًا من هذا، أو لا يريد أن يدخل عليه أحد، وهكذا.
وتستأذن بصوت منخفض، فإن لم يؤذن لك ترجع، فهنا اعتكف النبي ﷺ في قبة تركية على سُدَّتها قطعة حصير. رواه مسلم.
لماذا وضع النبي ﷺ على سُدَّتها قطعة من حصير، حتى إذا نظر إنسان لا يرى الجالس.
نذر الاعتكاف في مسجد معين
وهذه آخر نقطة إن شاء الله تعالى
من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى أعاده الله للمسلمين، وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عيَّنه؛ لقول النبي ﷺ: «لا تُشَدُّ الرحالُ إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا». متفق عليه.
ما معنى شد الرحال؟ يعني لو أنك في هذا المسجد الآن وأتيتَ من بلدك لعلمك أن الثواب في هذا المسجد بخمس صلوات، فهذا شدٌّ للرحال، لكن لو أنك أتيت بنية درس أو جئت تريد الاعتكاف، أو ما شابه ذلك، فهذا ليس فيه شد رحال قط.
إنما معنى شد الرحال أنك تعتقد أن في هذا المسجد فضيلة معينة، أو ثوابًا معينًا، فهذه الخصائص في المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي ومسجد قباء.
هذا المقصود بشد الرحال، أما إذا نذر في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عيَّنه.
يعني مثلًا نذر أن يعتكف في هذا المسجد، يمكن أن يوفي نذر الاعتكاف في المسجد الذي خلفه؛ لأنها كلها مساجد وليس فيها فضيلة مخصوصة، بينما المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى كل مسجد فيه فضيلة خاصة من ناحية الأجر الزائد.
أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عيَّنه، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء؛ لأنه الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانًا معينًا، ولأنه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر إلا المساجد الثلاثة، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألفِ صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرامِ أفضلُ من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة». صحيح كما في صحيح الجامع.
وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل منه.
ولذلك لو اعتكف إنسان في رمضان في هذا المسجد وأراد أن يذهب للعمرة، هنا يجوز له أن يقطع ويذهب للاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي؛ لأن ثوابهما أفضل من ثواب هذا المسجد.
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نُكمل الكلام في أحكام الصيام.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوراث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، آمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

هذه المواد من أراد أن ينشرها فلينشرها دون إذن وليتق الله فيها.