أحكام الصلاة – الدرس الأول – مفرغ

التصنيفات: الفقه, دروس مفرغة, فقه عدد الزيارات : 3676

الدرس الأول: أهمية الصلاة، حكم تاركها، وفضلها، والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ﷺ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70- 71].

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد،

نبدأ بمشيئة الله تعالى في أول درس من أحكام الصلاة
جاء في كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق رحمه الله بتحقيق الألباني رحمه الله، ومن التعليق عليه من كتاب تمام المنة تعليق على فقه السنة للألباني رحمه الله
الصلاة
الصلاة عبادة تتضمن أقوالًا وأفعالًا مخصوصة مفتتَحة بتكبير الله تعالى مختتَمة بالتسليم.
إذن ختام الصلاة التسليم، وإنما العامة تسمي التسبيحات التي بعد الصلاة “ختام الصلاة” وهذا خطأ.
ما المقصود بختام الصلاة؟ المقصود بختام الصلاة التسليم أي السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله.

منزلتها في الإسلام
للصلاة في الإسلام منزلة لا تعدلها منزلة أي عبادة أخرى؛ فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به قال رسول الله ﷺ: «رأسُ الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، تولى إيجابها بمخاطبة رسوله ﷺ ليلة المعراج من غير واسطة، قال أنس: “فُرضت الصلاة على النبي ﷺ ليلة أُسري به خمسين ثم نُقصت حتى جُعلت خمسًا، ثم نوديَ يا محمد: إنه لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ وإن لك بهذه الخمس خمسين” رواه أحمد والنسائي والترمذي، وهو صحيح كما في صحيح النسائي، يعني هي خمس في العمل وخمسون في الأجر.
وهي أول ما يحاسَب عليه العبد يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ: «أولُ ما يحاسَبُ عليه العبدُ يوم القيامة الصلاة، فإن صلَحت صلح سائر عمله (يجوز بفتح اللام ويجوز بالضم تقول صلُحت وصلَحت) وإن فسدت فسد سائر عمله» رواه الطبراني صحيح، والحديث عن أنس بن مالك كما في تمام المنة.
وهي -أي الصلاة- آخر وصية وصَّى بها رسول ﷺ أمته عند مفارقة الدنيا، جعل يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: «الصلاةَ الصلاة وما ملكت أيمانكم» وهي آخر ما يُفقَد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله قال رسول الله ﷺ: «لتُنقضنَّ عُرى الإسلام عروةً عروةً، فكلما انتقضت عروة تشبَّث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحُكمُ وآخِرهنَّ الصلاة» رواه ابن حبان من حديث أبي أمامة.
والمتتبع لآيات القرآن الكريم يرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر الصلاة ويقرنها بالذكر تارة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] ويقول سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14-15] ويقول سبحانه: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وتارة يقرنها بالزكاة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، ومرة بالصبر: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] ومن بين تفسيرات هذه الآية {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} يعني بالصوم والصلاة كما في تفسير ابن كثير. وتارة بالنسك: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
وأحيانًا يُفتتَح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة {سَأَلَ سَائِلٌ} أي المعارج، وفي أول سورة المؤمنون -نقول المؤمنون ولا نقول المؤمنين لا تُعرَب هنا على إنه مضاف إليه أبدًا، وإنما هي توقيفية من عند الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون: 1-2] إلى قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 9-11].
وقد بلغ من عناية الإسلام بالصلاة أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر والأمن والخوف، فقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 238-239]، وقال سبحانه مبينًا كيفيتها في السفر والحرب والأمن: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 102-103].
وقد شدَّد سبحانه وتعالى النكير على من يفرط فيها، وهدد الذين يضيعونها فقال جل شأنه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]، وقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4-5].
وفي تفسير هاتين الآيتين أن المقصود التأخير عن وقتها، فما بالنا بمن لا يصليها.
ولأن الصلاة من الأمور الكبرى التي تحتاج إلى هداية خاصة سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يجعله هو وذريته مقيمًا لها فقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40].

قبل أن نخوض في الأحكام الفقهية هناك بعض الأشياء الخاصة بالصلاة التي نذكرها إتمامًا للفائدة نقلًا عن كتاب ففروا إلى الله.
جاء في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله:
“وأما الصلاة فشأنها في تفريج القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله تعالى وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابساتهم ومحاوراتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدُوِّه حالة الصلاة ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة، وأما القلوب العليلة -أي المريضة- فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية الفاضلة.
فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومَطْردة للداء عن الجسد، ومُنوِّرة للقلب، ومبيضة للوجوه، ومنشِّطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومُنزِلة للرحمة، وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوجاع البطن.
نعود إلى فقه السنة مرة أخرى

حكم ترك الصلاة
ترك الصلاة جحودًا بها وانكارًا لها كفرٌ وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين، أما مَن تركها مع إيمانه بها واعتقاده فرضيتها ولكن من تركها تكاسلًا أو تشاغلًا عنها بما لا يُعد في الشرع عذرًا فقد صرحت الأحاديث بكفره ووجوب قتله.
يقول: أما مَن تركها مع إيمانه بها واعتقاده فرضيتها ولكن من تركها تكاسلًا أو تشاغلًا عنها (هنا جملة ناقصة مبدئيًّا يجب أن نفرق بين من تركها جحودًا وإنكارًا فهذا كفر مخرج من الملة، بل مَن أنكر حرفًا واحدا من كتاب الله أو أنكر ما ثبت عن النبي ﷺ بسند صحيح، أما مَن تركها تكاسلًا أو تشاغلًا عنها ولكنه يعتقد فرضيتها فهذا سنذكره بالتفصيل إن شاء الله، وهذا فيه خلاف بين العلماء
فهناك رأي يرى: أن مَن تركها تكاسلًا أو تشاغلًا عنها بما لا يُعد في الشرع عذرًا فقد صرحت الأحاديث بكفره ووجوب قتله.
وهناك رأي آخر يرى غير ذلك، وهو له وزن في الشرع كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى.
أما الأحاديث المصرِّحة بكفره فهي عن جابر قال: قال رسول ﷺ: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» رواه مسلم. إذا كان الحديث في الصحيحين فإننا نكتفي بما فيهما إلا إذا كان فيه زيادة فنذكر موطنها بإذن الله تعالى.
وعن بُريدة قال: قال رسول ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه أحمد وأصحاب السنن صحيح كما في صحيح الترمذي.
وعن عبد الله بن عمر بن العاص عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومَن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبي بن خلف» رواه أحمد والطبراني وابن حبان واسناده جيد صحيح كما في صحيح ابن حبان.
وكون تارك المحافظة على الصلاة مع أئمة الكفر في الأخرة يقتضي كفره.
قال ابن القيم رحمه الله: تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته، فمن شغَله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أُبي بن خلف.
وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: “كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” صحيح كما في صحيح الترمذي.
وقال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: صحَّ عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدُن محمد ﷺ أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
وقال ابن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدًا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء الصحابة مخالفًا. ذكره المنذري في الترغيب والترهيب.
ثم قال: قد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة، متعمدًا تركها، حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله ابن المبارك والنخعي والحكم بن عتيبة وأبو أيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وغيرهم رحمهم الله.
أما الأحاديث المصرِّحة بوجوب قتله فهي:
عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله سبحانه وتعالى» رواه البخاري.
وعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «إنه يُستعمَل عليكم أمراءٌ فتعرفون وتُنكرون، فمَن كرِهَ فقد برئ، ومَن أنكر فقد سلِمَ، ولكن من رضيَ وتابع» قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا» رواه مسلم.
جعل المانع من مقاتلة أمراء الجور الصلاة، وعن أبي سعيد قال: بعث علي وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذُهَيبة (أي تصغير ذهب) فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله! فقال: «ويلَك ﷺ أولستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتقيَ الله!» ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي» فقال خالد: وكم من رجلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال النبي ﷺ: «إني لم أومر أن أُنقِّب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» مختصر من حديث للبخاري ومسلم.
وفي هذا الحديث أيضًا جعل الصلاة هي المانعة من القتل، ومفهوم هذا أن عدم الصلاة يوجب القتل.
هذا هو الرأي الأول الذي يرى كفر تارك الصلاة كسلًا.
رأى بعض العلماء الأحاديث المتقدمة ظاهرها يقتضي كفر تارك الصلاة وإباحة دمه، ولكن كثيرًا من علماء السلف والخلف منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي على أنه لا يكفر بل يفسق، بل يُعذَّر ويُحبس حتى يصلي، وحملوا أحاديث التكفير على الجاحد أو المستحل للترك، وعارضوها لبعض النصوص العامة كقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
وكحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم عن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبيٍّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كلُّ نبي دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله تعالى مَن مات لا يشرك بالله شيئًا» وعنه عند البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «أسعدُ الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه».
وكما نعلم الذي يؤيد هذا القول -وهو الحق- ما يلي:
هنا في هذا الكتاب فقه السنة بعد حوالي صفحة إلا قليلًا يقول النبي ﷺ في الحديث عن ابن مُحَيريز “أن رجلًا من بني كنانة يُدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يُدعى أبا محمد يقول: «الوتر واجب» قال: فرحتُ إلى عبادة بن الصامت فأخبرتُه فقال عبادة: “كذب أبو محمد” في النسخة القديمة: كذب بمعنى أخطأ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «خمسُ صلوات كتبهنَّ اللهُ على العباد، مَن أتى بهنَّ لم يضيِّع منهن شيئًا استخفافًا بحقهنَّ كان له عند الله عهد أن يُدخلَه الجنة، ومَن لم يأت بهنَّ فليس له عند الله عهد إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له» رواه أحمد وأبو داود و النسائي وابن ماجه، وهو صحيح كما في صحيح أبي داو.
فهنا ماذا قال النبي ﷺ؟ قال: «ومن لم يأتِ بهنَّ فليس له عند الله عهد إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له» ونحن نعلم أن الله لا يغفر للمشرك.
نذكر تحقيق الشوكاني ثم نذكر المناظرة الموجودة في فقه السنة، ثم نقرأ ما قاله الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
قال الشوكاني: والحق أنه كافر يُقتل، أما كفره فلأن الأحاديث قد صحَّت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق ذلك الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتضٍ بجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها المعارضون؛ لأننا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا فلا مُلجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها.
وكلام الشوكاني أيضًا هذا يوحي بأن هناك كفر دون كفر.

مناظرة في تارك الصلاة كما في فقه السنة
وهَبْ هذه المناظرة بين شخصين عاديين، فلو قلنا تنزلًا: إن هذه المناظرة بين الإمامين الجليلين ليست صحيحة، فهب هذه المناظرة بين شخصيين عاديين.
ذكر السبكي في طبقات الشافعية أن الشافعي وأحمد رضي الله عنهما تناظَرا في تارك الصلاة، قال الشافعي: يا أحمد، أتقول إنه يكفر؟ قال: نعم.
قال: إذا كان كافرًا فبِمَ يُسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه!
قال: يسلم بأن يصلي.
قال: صلاة الكافر لا تصح، ولا يُحكم له بالإسلام بها.
فسكت الإمام أحمد رحمهما الله تعالى.
تقول تارك الصلاة يكفر؟ قال: طيب: بمَ يسلم؟ قال له: يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: الرجل ما زال مستديمًا لهذا القول، يعني هو يقول لا إله إلا الله ولكنه لا يصلي، فبِمَ يسلم؟ قال: يسلم بأن يصلي. قال له: صلاة الكافر لا تصح، والكافر أصلا لا تُقبل منه صلاة ولا يُحكم له بالإسلام بها. فسكت الإمام أحمد رحمهما الله تعالى.
جاء في السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله في الجزء الأول من صـ 171 إلى 178 يقول رسول الله ﷺ: «يُدرَس الإسلام كما يُدرَس وَشيُ الثوب» ويُدرَس مِن درَس إذا عفا وهلَك، وَشْي الثوب يعني نَقشُه، يعني الإسلام سيأتي عليه وقت لا يكون هناك من الناس يتمسكون به إلا القليل. وشيُ الثوب يعني نقشه، وهي الخطوط التي في الثوب حين يكثر غسله فيذهب أثرها.
«يُدرَس الإسلام كما يُدرَس وَشيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نسُك ولا صدقةٌ» يعني يظهر ناسٌ لا تعرف صيامًا ولا صلاة ولا نسكًا ولا صدقة» ولَيُسرى على كتاب الله عزَّ وجل في ليلةٍ فلا يبقى في الأرض منه آية» يُنزَع القرآن من الصدور والسطور، من الصدور أي الحفظ ومن السطور أي من المصاحف «وتبقى طوائفُ من الناس الشيخُ الكبير والعجوز يقولون: أدرِكنا آباءنا على هذه الكلمة، لا إله إلا الله فنحن نقولُها».
أخرجه ابن ماجه والحاكم ونُعيم بن حماد في الفتن من طريق أبي معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان مرفعًا به، وزاد: قال صلة لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاةٌ ولا صيامٌ ولا نسكٌ ولا صدقةٌ؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردَّها عليه ثلاثًا -يعني ردَّدها عليه ثلاثًا- كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: «يا صلةُ، تُنجيهم من النار، تُنجيهم من النار» ثلاثًا.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال الألباني: وهو كما قاله وأقره الحافظ في الفتح، وهناك تعليق على هذا الحديث قال الألباني رحمه الله:
“وفي هذا الحديث نبأ خطير، وهو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يُمحى أثره وعلى القرآن فيُرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة، وذلك لا يكون قطعًا إلا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها، وتكون كلمته فيها هي العليا، كما هو نص قول الله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] وكما شرح رسول الله ﷺ ذلك في أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها”.
والتي منها كما نعلم: «لا يبقى على ظهر الأرض بيتُ مدرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعِزِّ عزيزٍ أو ذلِّ ذليلٍ … إلى آخر الحديث».
يقول: “وما رُفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدًا لإقامة الساعة على شرار الخلق الذين لا يعرفون شيئًا من الإسلام البتة حتى ولا توحيده! وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن، وأن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء دينه ورسوخ بنيانه، وما ذلك إلا بتدارسه وتدبره وتفهمه، ولذلك تعهَّد الله تعالى بحفظه إلى أن يأذن الله برفعه”.
ثم تكلَّم عن المقلدة وخطأ تصورهم مما لا يعنينا في هذا المقام.
إلى أن قال الألباني رحمه الله: هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تُنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة، ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة مع إيمانه بمشروعيتها، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك بل يفسُق، (من تركها كسلًا مسلم وليس بكافر، وهذا كلام الألباني) وذهب أحمد في رواية إلى أنه يكفر وأنه يُقتَل ردة لا حدًّا، وقد صحَّ عن الصحابة أنهم “كانوا لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” رواه الترمذي والحاكم.
يقول الألباني: وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصًّا على أنهم كانوا يريدون بالكفر هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار، ولا يحتمل أن يغفره الله له، كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان -وهو من كبار أولئك الصحابة- يرد على صِلة بن زُفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له، فيقول: ما تُغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة… فيجيب حذيفة بعد إعراضه عنه: “يا صلة، تنجيهم من النار” ثلاثًا. فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة -ومثلها من بقية الأركان- ليس بكافر أي الذي يترك ذلك كسلًا وليس جحودًا بل هو مسلم ناجٍ من الخلود في النار يوم القيامة، فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان -وهو موجود طبعًا في أماكن أخرى- وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
يقول الألباني: ثم وقفت على الفتاوى الحديثية الحافظ السخاوي فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة، قال (أي السخاوي رحمه الله): ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدًا لوجوبها مع كونه ممن نشأ مع المسلمين؛ لأنه يكون حينئذٍ كافرًا مرتدًّا بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قُبل منه وإلا قُتل، وأما من تركها بلا عذر بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه -على الصحيح أيضًا- بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري كأن يترك الظهر مثًلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر يُستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يُقتل إن لم يتُب ويُغسَّل ويصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه، ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارَك الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صحَّ أيضًا عنه ﷺ أنه قال: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله تعالى على العباد، مَن أتى بهنَّ لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقِّهنَّ كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومَن لم يأتِ بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له».
والحديث كما تقدم منذ قليل، وأتيت بالنص رغم أننا قد قلناه من قبل، رغم أنه قد أتى بطرف الحديث فقط، وقد ذكر رحمه الله الحديث، وفيه -كما يقول الألباني نقلًا عن السخاوي-: «إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» وكما نعلم أن المشرك لا يُغفر له {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] فذكر الحديث، وقال أيضًا ﷺ: «مَن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» .. إلى غير ذلك.
وتعليقًا على هذا الحديث كما جاء في شرح مسلم للنووي رحمه الله يقول بأن المسلم آخرًا لا بد أن يدخل الجنة طالما أنه لا يشرك بالله شيئًا، فهناك مَن يدخل النار لكن في النهاية يدخل الجنة، وهناك من يكون من أهل النار ثم تنالُه الشفاعة فيدخل الجنة، لكن المسلم آخرًا لابد أن يدخل الجنة طالما أنه لم يشرك بالله شيئًا.
ثم يقول (أي السخاوي) كما ينقل الألباني: …إلى غير ذلك، ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورِّثونه، ولو كان كافرًا لم يُغفر له، ولم يرث ولم يورَّث.
لأن لا توارث بين أهل ملتين كما يقول ﷺ كما في الصحيح الجامع.
ثم يقول: وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن شيخ عبد الله في (حاشيته على المقنع)، وختم البحث بقوله: ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه، ولا مُنع ميراث مورثه مع كثره تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، وأما الأحاديث المتقدمة فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة كقوله ﷺ: «سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفر» -وهذا صحيح كما نعلم- وقوله ﷺ: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك» -وهو صحيح أيضًا كما نعلم- وغير ذلك. قال الموفِّق: وهذا أصوب القولين. انتهى كلام السخاوي الذي نقله عنه الألباني.
قال الألباني رحمه الله: أقول: نقلتُ هذا النص من الحاشية المذكورة ليعلم بعض متعصِّبة الحنابلة أن الذي ذهبنا إليه ليس رأيًا لنا تفرَّدنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم كالموفِّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره.
وفي ذلك حُجة كافية على أولئك المتعصبة تحملهم إن شاء الله تعالى على ترك غلوائهم والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هناك دقيقة قلَّ مَن رأيتُ تنبَّه لها أو نبه عليها، فوجب الكشف عنها وبيانها فأقول (أي الألباني) -لكنه في الأصل كلام ابن تيمية وكان ينبغي أن يأتي بكلام ابن تيمية ثم يعلق عليه-:
إن تارك الصلاة كسلًا إنما يصح الحكم بإسلامه ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبِه أو يدل عليه، ومات على ذلك قبل أن يُستتاب كما هو الواقع في هذا الزمان، أما لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة فاختار القتلَ عليها فقُتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرًا ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم خلافًا لما سبق عن السخاوي؛ لأنه لا يُعقل لو كان غير جاحد لها في قلبه أن يختار القتلَ عليها، هذا أمر مستحيلٌ معروفٌ بالضرورة من طبيعة الإنسان لا يحتاج إثباته إلى برهان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني صـ48:
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يُقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلَّت عليه النصوص الصحيحة، فمن كان مصرًّا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قطُّ، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًّا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داعٍ تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط عُلم أن الداعي في حقه لم يوجد. انتهى كلام ابن تيمية.
قال (أي الألباني): قلتُ: هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة والله ولي التوفيق.
إذن الرأي رأي الجمهور، بل هو رأي أيضًا للإمام أحمد، لأنه ليس له رأي واحد في هذه المسألة، مسألة كفر تارك الصلاة.
الخلاصة كما يأتي:
من تركها جاحدًا لها فهذا بإجماع العلماء مرتد، أما من تركها تكاسلًا عنها وتشاغلًا مع علمه بوجوب فرضيتها، فهناك رأيان:
هناك من يرى أنه يكون كافرًا أيضًا.
والرأي الصحيح أنه يكون مسلمًا عاصيًا ولا يكون كافرًا.
وإلا فلو أن الرجل الذي لا يصلي لن نقول له لا تأتِ زوجتك أو يفرَّق بينها وبينه أو ما شابه ذلك؛ لأنه كافر حينئذٍ، وإن كانت هناك بعض الأحكام عند إخواننا في الحجاز أن الزوج إذا لم يصلِّ يُفرَّق بينَه وبين زوجه، لكن علينا أن نكمل النص، وهو أننا نقيم عليه الحد ولا نفرق بينه وبين زوجه وإنما نقيم عليه الحد. انتهى من فقه السنة وتمام المنة ومن السلسلة الصحيحة.
هناك بعض الأحاديث الواردة في فضل الصلاة من كتاب (ففروا إلى الله) ومن أفضل ما جاء في فضل الصلاة والمحافظة عليها الأحاديث التالية، وكلها مأخوذة من أحاديث الصحيحة، ومن الكتب الصحيحة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتُم لو أن نهًرا بباب أحدكم يغتسِلُ فيه كلَّ يوم خمسَ مراتٍ، هل يبقى من دَرَنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيءٌ. قال ﷺ: «فذلك مثلُ الصلواتِ الخمسِ يمحو الله بهنَّ الخطايا» متفق عليه. والدَّرَن أي الوسخ كما في جمع الأصول.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا أصاب من امرأةٍ قُبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] فقال الرجل: ألي هذا؟ قال ﷺ: «لجميع أمتي كلهم» متفق عليه. والمعنى -كما جاء في تفسير ابن كثير- أن فعل الخيرات يكفِّر الذنوب السالفة.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئٍ مسلم تحضُره صلاةٌ مكتوبة فيُحسِنُ وضوءَها وركوعَها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤتَ كبيرةٌ، وذلك الدهر كله» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أولَ ما يحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة من عملِه صلاتُه، فإن صلحتْ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسِرَ، فإن انتقصَ من فريضته شيءٌ قال الربُّ عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوُّع؟ فيُكمَّل منها ما انتقصَ من الفريضة، ثم يكونُ سائرُ أعماله على هذا». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن وهو صحيح كما في صحيح ابن ماجه وصحيح الترمذي.
ثم يكون سائر أعماله على هذا أيضًا، فمن كان يتصدق ولا يؤدي الزكاة يؤخذ من الصدقة لتسد الزكاة.
وعن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مسلمٍ يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة إلا بُنيَ له بيتًا في الجنة» رواه مسلم.
وفي رواية الترمذي «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» رواه الترمذي وصححه الألباني، ويقول ﷺ: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ» يعني الواحد بسبعين وعشرين درجة. متفق عليه.
وكما نعلم الأفضلية هنا ليس معناها أن الصلاة ليست واجبة بل هي واجبة، وإنما قال ابن تيمية الأفضلية في حالة العذر، يعني كان عنده عذر فتخلَّف، وعن علي رضي الله عنه قال: “الوتر ليس بحَتْم كصلاة مكتوبة” ولكن سنَّ رسول الله ﷺ وقال: «إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن» والحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وهو كما قال انظر الصحيح الجامع.
وهناك بعض الكلمات الطيبات الموجودة نقلًا عن مختصر منهاج القاصدين:
واعلم أن للصلاة أركانًا وواجبات وسننًا، ورُوحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة؛ لأن النطق إذا لم يُعرب عما في الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال؛ لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضرًا لم يحصل المقصود، فإن الفعل متى خرج عن مقصوده بقي صورة لا اعتبار بها، وقال الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] والمقصود أن الواصل إلى الله سبحانه وتعالى هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ؛ لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها.

والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة
المعنى الأول: حضور القلب كما ذكرنا، ومعناه أن يُفرغ القلب من غير ما هو ملابس له، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمك أمر حضر قلبه ضرورة فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك لا يحضر في الصلاة فاعلم أن سببه ضعف الإيمان فاجتهد في تقويته.
والمعنى الثاني من المعاني التي تتم بها حياة الصلاة: التفهُّم لمعنى الكلام، فإنه أمر وراء حضور القلب؛ لأنه ربما كان القلب حاضرًا مع اللفظ دون المعنى، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها، فإن المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها.
المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة، وذلك يتولَّد من شيئين: معرفة جلال الله تعالى وعظمته ومعرفة حقارة النفس، وأنها مستعبَدة فيتولد من المعرفتين الاستكانة والخشوع.
ومن ذلك الرجاء، فإنه زائد على الخوف، فكم من معظِّم ملكًا يهابه لخوف سطوته كما يرجو برَّه، والمصلي ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته الثواب كما يخاف من تقصيره العقاب.
وينبغي للمصلي أن يحضر قلبه عند كل شيء من الصلاة، فإذا سمع نداء المؤذن فليمثل النداء للقيامة، ويشمِّر للإجابة، ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر.
وإذا ستر عورته -أي عندما يلبس القميص أو الثوب أو المرأة الجلباب- فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات باطنة وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر، وأنه يكفِّرها الندم والحياء والخوف.
وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك، فكما أنه لا يتوجَّه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عما سواه.
وإذا كبَّرت أيها المصلي فلا يُكذِّبنَّ قلبُك لسانَك؛ لأنه إذا كان في قلبك شيء أكبر من الله تعالى فقد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله تعالى.
فإذا استعذتَ -أي قلتَ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- فاعلم أن الاستعاذة هي ملجأ إلى الله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغوًا، وتفهَّمْ معنى ما تتلو، وأحضر التفهُّم بقلبك عند قولك “الحمد لله رب العالمين”، واستحضر لطفه عند قولك “الرحمن الرحيم” وعظمته عند قولك “مالك يوم الدين” وكذلك في جميع ما تتلو.
وقد رُوِّينا عن زُرارة بن أبي أوفى رضي الله عنه أنه قرأ في صلاته {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8] فخر ميتًا، وما ذاك إلا لأنه صوَّر تلك الحال فأثرت عنده تلف.
واستشعر في ركوعك التواضع، وفي سجودك زيادة الذل؛ لأنك وضعت النفس موضعها، وردتَ الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذي خُلقت منه، وتفهَّم معنى الأذكار بالذوق.
واعلم أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمة المعبود سبحانه، وتطلع على أسراره وما يعقلها إلا العالمون.
فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها فإنه لا يطلع على شيء من ذلك بل ينكر وجوده.
انتهى من (مختصر منهاج القاصدين) ونقلًا عن كتاب (ففروا إلى الله).
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا، آمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحانك ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

هذه المواد من أراد أن ينشرها فلينشرها دون إذن وليتق الله فيها.